استشراف المستقبل (11) الانفرادية ومستقبل فوق العادة | د. حسام حاضري

2020-06-03 18:15
الكاتب :

حبُ المعرفة والسعي لاستقراء المستقبل من الصفات التي جُبل عليها البشر، وكثيرٌ منا يحاول رسم مجموعة من الصور الخيالية لحال ذلك المستقبل والتي قد تختلف بين إيجابية وسلبية استناداً إلى طبيعتنا البشرية ونظرتنا للأمور، وعندما بدأ كتابٌ ومخرجون إنتاج أفلام الخيال العلمي في الثلث الأخير من العقد الماضي وأخذت طريقها في الانتشار، أطلقوا فيها العنان لمخيلاتهم لرسم أحداثٍ مستقبلية وكأنها حقائق، وملؤوها بمنتجاتٍ متخيلةٍ استعملها أبطال تلك الأفلام، ولم يكن يتصور كثيرٌ من متابعي تلك الأفلام أنه سيكون لها دورٌ كبيرٌ في تشكيل الواقع الذي نعيشه وتغدو حقائقَ واقعةً يراها الناس ويستعملونها في حياتهم اليومية، ودورٌ في تشكل المستقبل في أذهان قطاعٍ كبيرٍ من العلماء والباحثين وتقبله على الرغم من عدم مقدرتهم على تحديد ملامحه أو معرفة آثاره، وقد تنوعت توقعات علماء المستقبليات لذلك المستقبل وما ستصل إليه البشرية من تطور تقني وما سيتطلبه ذلك من إمكانات وقدرات يجب أن يمتلكها الانسان حتى يكون قادراً على العيش في ذلك العصر، العصر الذي تعددت أسماؤه، إذ يطلق عليه البعض عصر المستقبل فوق العادة أوالانفرادية التقنية أو عصر الانفجار المعلوماتي، كما تنوعت توقعاتهم للوسائل التي يجب سلوكها واستخدامها لصناعة وإعداد إنسان قادر على التعايش مع متطلبات ذلك العصر.

 

وأبسط معنى للإنفرادية التقنية “singularity” هو تمتع الآلات أو الحواسيب بقدراتٍ خاصةٍ تمكنها من أن تكون يوماً ما أذكى من الإنسان، وبالتالي الوصول إلى زمنٍ يحدث فيه الاندماجُ بين الآلات والإنسان كما يعتقد (راي كورتزفايل) مؤلف كتاب الإنفرادية حيث يقول: “تكون الإنفراديةُ قريبةً عندها يتجاوز البشر حدودهم الحيوية البيولوجية، وإنّ هناك احتمالاً كبيراً أن ينتفي التمييز بين الآلات والبشر خلال فترةٍ زمنيةٍ قادمة إلى عام 2045.” Kurzweil)، 2005). وذهبت هيئاتٌ كثيرة ومنها معهد الانفرادية إلى تعريفها بأنها: الإيجاد التقني لكائنات أذكى من الإنسان، أما جامعة الانفرادية وآخرون غيرها فقد ربطوا الفكرة مع تطور وترابط التقنيات الأساسية الطارئة. وعندما تصل البشرية إلى الانفرادية التقنية فإنّ أهمَ مظاهر هذا الحدث أن يصنعَ الإنسانُ آلاتٍ فائقة الذكاء، وستكون أولُ آلةٍ فائقة الذكاء يصنعها الإنسان هي نفسها آخر آلة يحتاج إلى تصنيعها، حيث أن من مستلزمات هذا الذكاء الفائق أن تكون هذه الآلات قادرةً على تصميم آلات ذكية تفوقها في الذكاء، وستتولى هذه الآلات تصميم الأجيال القادمة منها، والتي ستكون بدورها أكثر ذكاء من سابقاتها، وهكذا يتوالى تطور الذكاء حتى تصل البشرية إلى مرحلة إنفجار الذكاء أو إلانفجار المعلوماتي وبالتالي الوصول إلى مستقبل فوق العادة The extraordinary” future”.

 

وأما المستقبل فوق العادة: فهو المستقبل الذي تترقبه البشرية حين تصل إلى الانفرادية التقنية التي ستتجاوز بها التقنية أفق الحدث وتدخلها عصر المستقبل فوق العادة. وقد أورد العلماء والباحثون في علوم المستقبليات ثلاث رؤىً للوصول إلى عصر المستقبل فوق العادة، الرؤية الأولى: هي الانفرادية التقنية التي تقوم على استخدام التقنية لتحقيق هذا الهدف، فالوصول إلى نقطة بناء آلات خارقة الذكاء إنما يصير من خلال تطوير وتعظيم الذكاء الصناعي، والرؤية الثانية: هي رؤية دعاة الإنفرادية الحيوية أو البيلوجية الذين يرون أنّ الوصول إلى ذلك العصر يمكن أن يأتي من خلال تعظيم قدرات الدماغ البشري وتطوير الذكاء البشري وتحسينه بالاستفادة مما توصلت إليه الأبحاث في مجالات التقنيات الحيوية والهندسة الوراثية، وأما الرؤية الثالثة فهي المحاولة للوصول إلى ذلك المستقبل بما يسمى الانفرادية الطبيعية أو انفرادية الطبيعة، وتقوم على تبصرة الإنسان بما تختزن نفسه من إمكانات وطاقات وكذلك ما يزخر به الكون من موارد وقوانين و توجيهه للإستفادة من هذا كله ليحقق أموراً كان الناس يعتقدون أنها ضربٌ من الخيال.

 

وقد أثار مفهوم الانفرادية والمستقبل فوق العادة اهتمام الدول والعلماء والباحثين حول العالم، ففي أمريكا وهي مهد هذه الفكرة تأسست في عام 2009م جامعة الإنفرادية بشراكة بين وكالة أبحاث الفضاء (ناسا) وشركة غوغل العملاقة، وتعمل هذه الجامعة على إعداد أجيالٍ من القادة يناسبون احتياجات ذلك الحدث المتوقع، وفي روسيا عُقد مؤتمرٌ تحت عنوان ملتقى مستقبل العالم 2045م وطُرح فيه مشروع أفاتار “Avatar project” يهدف إلى بناء روبوت يكون نسخةً عن الإنسان، ويمكن تشغيله من خلال تشبيك الدماغ البشري، وفي ماليزيا ظهر مشروع النهضة الأسطوري، كما أنّ هناك مشاريع تخطط للمستقبل فوق العادة في دول أخرى كالصين والهند والبرازيل.

 

وعربياً تم في دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2015م إطلاق مشروع “متحف المستقبل” الذي يضم مختبرات للابتكار ومتحف دائم لاختراعات المستقبل، حيث يركز على قطاع الروبوتات والذكاء الاصطناعي باعتباره واحداً من أهم القطاعات الحيوية التي سيكون لها تأثيرٌ مباشرٌ ومحوري في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات بما في ذلك الصحة والتعليم وكافة الجوانب الأخرى المهمة في حياة الناس، وفي السعودية قامت جامعة الملك سعود في عام 2015م بإنشاء “كرسي أبحاث المستقبل فوق العادة وانفرادية الرؤية الثالثة” الذي يعمل في عدة اتجاهات، فهو أولاً يقوم بتتبع البحوث والأحداث المهمة المرتبطة بهذا المستقبل، وثانياً القيام بأبحاثه الخاصة المتعلقة بالانفرادية، وأخيراً البناء على هذه الجهود لخدمة المجتمع، وتقديم خدمات استشارية وتدريبية تتميز بالجدة والإبداع في ملامستها لحاجات المجتمع، ومساعدته في الإعداد والإستعداد لذلك الحدث العظيم.

 

وخلاصة القول: إن الإنفرادية لن تحدث من جراء نفسها فكل عمل إبداعي تقني يمكن أن يساعد في الوصول إليها هو في الوقت الحالي مسعى إنساني يحتاج إلى نتاجٍ فكري متميز، ومواردٍ طبيعية مقصورةٍ وموجهةٍ إليه لمدة كافية لإمكانية تحقيق التقدم، وإنّ ما يشهده العالم من حراك وتزايد الاهتمام بهذا الحدث وإنشاء الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب المتخصصة لايترك مجالاً للشك أنّ البشرية مقدمةٌ على حدثٍ عظيم، سيكون له آثارٌ كبيرة على الإنسان من مختلف النواحي.

 

المصدر

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن