استشراف مستقبل الأمة: مراجعة لنماذج المحاكاة ومداخل دراسة المستقبلات البديلة | أ. د. سهيل عناية الله

2020-07-19 07:00

هذا المقال نقد لطرق مقاربة المستقبل، وعرض للمشاهد المستقبلية (السيناريوهات) للعالم الإسلامي، ويغطي النقد نماذج عالمية متنوعة تشمل نموذج نادي روما “حدود النمو”1 ونموذج البشرية عند المنعطف”2 و”عالم عام ألفين”3 وغيرها من مداخل فهم المستقبل. وانطلاقا من نظرية ما بعد البنيوية نتساءل ماذا تفتقد هذه النماذج؟ وما الذي يجعل التحليل متميزا؟ وأي الأطر المعرفية وطرائق المعرفة تؤكد عليها النماذج المستخدمة؟ وسنحاول أن نخطو خطوة أبعد من سؤال ماركس المتعلق بالطبقة ومن المنتفع ماليا, فالقضية عندنا أعمق من ذلك بكثير، فنحن متهمون بأي أطر المعرفة وأي الأطر الحضارية (على نحو أكثر ملاءمة من منظور إسلامي) متميزة وتعد الأكثر أهمية، وثمة تذييل يعرض توصيات تركز على جعل الأمة الإسلامية أكثر توجها نحو المستقبل.

 

مع ذلك فإن النماذج العالمية واحدة من بــين طــرق مقاربــة أو فــهم المستقبل، فهذا طرق أخرى لذلك يمكن منها اشتقاق توكيدات معينـة عن القضايا والاتجاهات والمشاهد المستقبلية التي يحتمل أو يمكن أن تشكل المستقبل، وسنبحث أيضـا فائدة هذه النماذج في فهم مستقبل الأمة الإسلامية ونخلــص برؤى لمستقبل الأمة.

 

رؤية الخيال وتخيل الرؤية

 

ليس الغرض من هذا النقاش تلخيص النمذجة العالمية4 أو الدراســات المستقبلية5 فهذا التلخيص معروض في مواضع أخرى بشكل بالغ التفصيل، لكن غرضنا استخدام مثل هذا النقاش لتحليل المستقبلات البديلة أمــام الأمــة في الأجيال القادمة، وإصدار توصيات بسياسـات حول قضايا من قبيل كيفية رؤيـة هذه المستقبلات. إننا ونحن معنيون بالرؤية لا نتساءل عما قد يكــون عليــه المستقبل (باعتبار بينة الأحداث والاتجاهات التاريخية فحسب)، بل عما نريد أن يكون عليه المستقبل أيضــا”، ويصبح التحدي هنا كيفية تخيل مســتقبلات تختلف عن الحاضر، وتأخذنا إلى المجهول، وتلجئنا للخروج عن فئات وأنمــاط الحاضر، فالرؤية إذا انقطاع عن الحاضر، ومن ثم لا يمكن الوصول إليها بنمذجة المحاكاة. إن الرؤية تعني أكثر مما نحن عليه، ولا يمكن التخطيط لها بشكل رشيد، فرؤية ما عن المستقبل هي بالأساس عن الأسطورة، وتتعلق ببنى معنوية عميقة تجعل الناس على ما هم عليه6. وتدور الأسطورة بشكل أساسي حول المعاناة والتجاوز، عن جماعة تتخلق عبر رحلة مشتركة.

 

هل يعني هذا أن جهود تخيل مستقبل الأمة تضييع للوقت؟ لا، مطلقـا”، ولكنه يعني أن جهودنا المبذولة لهذه الرؤية يجب،في المقام الأول، ألا تكـون محدودة بالتحليل الفكري، فوسائل المعرفة والكينونة الأخرى كالشعر والفـن والعمارة والشعائر وعمل الجماعة كلها بالقدر نفسه من الأهمية. وكل مـا يمكـن أن يقوم به المفكرون أن يبتكروا سياقـات للأحلام والرؤى، ويمكنــهم القيـام بذلك بإسباغ الشرعية على هذه الرؤى وجعلها أكثر واقعية بالنسبة إلى أولئـك الذين يعشون في عوالم الاستراتيجية والاقتصاد، إلا أن الرؤية أكثر من مجـرد وسائل للمعرفة، فهي عملية يجب أن تباشرها القيادة والجمهور بشكل جـدلي تفاعلي7، ولا يعني اتصال الرؤية بالأسطورة الخيال الجامح fantasy، فعـلى حين أن الخيال مهم في الانقطاع عن الأطر المرجعية الحالية، فإنه لا يقترب من رؤية العالم التاريخية التي تشكل الإسلام، وبهذا المعنى فإن النموذج المعرفي الإرشادي الإسلامي كما فصله مختلف الكتاب المسلمين حيوي في العمل كنقطة انطـلاق لعملية الرؤية.

 

“ثمة عشرة مفاهيم أربعة مفردة وثلاثة أزواج متعارضة: التوحيد والخلافة والعبادة والعلم والحلال والحرام والعدل والظلم والاستصلاح والضياع”8.

 

يضم التوحيد الوحدة الإسلامية الأوسع للفكر والفعل والقيم عبر الإنسانية والأشخاص والطبيعة والإله، وتؤكد الخلافة على الله تعالى مالك الأرض،ويعمل البشر خلفاء ومؤتمنين لرعاية الأرض لإفسادها، ويمثل العدل هدف الرؤية الإسلامية للعالم، ويقوم على حاجات الناس (الاستصلاح)، وتعد العبادة بداية وخطوة ضرورية للوصول إلى هذه الأهداف، وينتج العلم أو معرفة الذات والآخر والطبيعة عن التفكير العميق سواء بالملاحظة الداخلية أو الخارجية، وبعدها تكون تصرفات الأفراد حلالا” أو حراما”، ويتم في هذا الإطار ضياع الأفراد والإمكانات الجماعية والاستبداد أو تسلط القلة، أو فرد واحد على الكثرة، أو سلطة فكرانية (أيديولوجية) ضيقة الأفق على الوحدة في إطار التعددية التي يعضدها النموذج المعرفي الإرشادي الإسلامي.

 

ويصبح النموذج الإرشادي الإسلامي سياق الرؤية وسياق تأطير صورة المستقبل ضمن المثل العامة ويحدد بهذا محيط الرؤية، ليس ضمن أحداث تاريخية معينة )الثأر من فرد أو أمة أو حضارة) بل صمن نسق المعنى الأوسع للحضارة موضع الاهتمام، وهي في حالتنا هذه الأمة الإسلامية (كجماعة تقوم على معنى ومقصد أكثر من كونها جماعة جغرافية أي كجماعة تفسيرية). والرؤية ضمن هذا السياق رؤية فعالة لأنها تلمس جوهر المسلمين، ولأنها ذات توجه مستقبلي فإنها تساعد في تجاوز تصنيفات الحاضر وبشكل خاص إطار حداثة الدولة / الأمة الذي يستكين فيه المسلمون.

 

وعلى حين يجري تأطير الرؤى غالبا” بلغة شخصية أو تعد مجالا” للاشعور، فإننا نستخدم هذا المصطلح بالمعنى الجماعي الأوسع أي رؤية جماعة أو أسطورة الجماعة عن المستقبل. إلا أن الرؤية تدور أيضا” حول الفعل، فقد تكلم عالم المستقبل والناشط روبرت جنجك “Robert Jungk ” عن حضور منتدى “رؤية عام ألفين” حيث أكد المشاركون بحماس على “أن نعمل للحاضر وألا نقلق كثيرا بصدد عام ألفين” وبعد ليلة من السهاد تفكيرا” في ذلك التداخل رد “جنجك” بأنه سيحور العبارة ويعلن “لأننا قلقون بصدد عام ألفين دعونا نفعلشيئا الآن”9 فقد أصبح المستقبل قوة للدفع، فلأننا نهتم بأجيال المستقبل يجب أن نتحقق من أننا لا ندمر تراثنا الثقافي والبيئي10.

 

وأصبح هذا هو مفتاح التفكير في الموضوع،ن فيجب أن يفكر البشر في المستقبل لتحويل الماضي والحاضر، فبدون التفكير في المستقبل سيبقى التاريخ مسيطرا والحاضر جائرا، فقد أصبح المستقبل الموضع الذي يسمح بالتحولات، ويتطلب القيام بهذا الخيال، إلا أن هذا الخيال ليس كله سواء، فقد افترض “جنجك” ثلاثة أنماط منه: الأول الخيال المنطقي وهو التقدير الاستقرائي للاتجاهات الجارية لإظهار منافاتها للمنطق وبذلك يسمح ببزوغ الأفكار الجديدة، فمن خلال التركيز على منحنيات النمو المتضاعفة (الأسية) بدلا من المنحنيات الخطية أو التي تأخذ شكل منحنى حرف s يمكن بسهولة رؤية مشاكل الاتجاهات الجارية. أما النوع الثاني فهو الخيال النقدي فالبحث النقدي يتطلب منا أن نسير الأغوار العميقة بحثا عن نواحي الضعف البنيوية في حال الأوضاع القائمة، ومن ثم خلق السياق لمستقبلات بديلة وهذا أعمق من النقد التقليدي الذي يكشف فقط عن الخطأ، فالخيال النقدي يظهر ما هو خطأ وخصائص المستقبلات المرغوبة.

 

المدخل الثلث الخيال الخلاق

 

“لا يكتفي الخيل بمد أو مزاوجة أو نفي الاتجاهات القائمة حاليا، بل يحاول من خلال الانقطاع عن الأنساق المضادة القائمة أن يشكل قضية جديدة بشكل كامل، وأن ينقطع بشكل جذري عن مفاهيم السائدة، فحيثما ومتى ما ظهر الخيال الخلاق فإنه يمثل ميلادا لعصر جديد وعادة ماينشئ حالة عقلية جديدة ترقى عن المناظرات التي تمثل سمات وجزءا لا ينفصم عن الأزمان التي خلفتها وراءها”11.

 

إن الخيال الخلاق قفزة للوعي ووثبة إيمان بمصطلح” كير كجارد “، والتحدي أمام تخيل المستقبل ليس القيام بمثل هذه القفزة فقط، بل في تبيين كيفية إيصال هذا المستقبل المحتمل والمرغوب للآخرين أيضا” وهذا أمر إشكالي للعديد من الأسباب: أولا” أنه في إطار الفكر الغربي الذي تغلب عليه الترعة الاقتصادية الجامدة يعد الخيال فكرا” غير استراتيجي ولا رياضي، وبغض النظر عن معتقداتنا الدينية فإن أغلبنا يعيش فضاءات فكرية منعزلة ومنفصلة ومتشظية، والخيال جميل للأطفال ولكنه ليس للبالغين، والعمل الحقيقي هو في مراكمة رأس المال والسلطة أو المعرفة الفنية، وعادة ما يحاجج بعضهم بأن الرؤية إنما هي للمستغرقين في أحلام اليقظة.

 

ثانيا” يتصل التفكير الاقتصادي بالتفكير بالعلاقات الدولية، في هذا النموذج يدور الواقع حول الدوافع المخفاة والأمن والعدو، فالذات والأمة لا تتحددان بالجنس أو اللغة أو الإقليم بل بالا تكون عدوا، فنحن ما نكرهه. ويحاجج الفكر الاستراتيجي – مستعيرا” أفكار الاقتصاد التقليدي المجدد – بأننــا لسنا إلا أفراد أنانيين مهتمين بذواتنا. وتصبح الفردية المنهجية هــي علــم الاجتماع الموجه، وينظر للأمم تبعا” – لهوبــز – كــأفراد يعيشــون في عــالم فوضوي، وضمن هذه الرؤية لا يمكن التفكير في رؤى أو تصورات – لنقل مثلا، لمجتمع عالمي إسلامي يمنح جوازات السفر – تحدد هوية ما بعد قومية لا تحتمل سيادة رأس المال والعمل، أو توضع هذه التصورات في ســياق تــاريخي للإمبراطورية والعلاقات الرأسية القوية بين المركز الحاكم والهامش المستعمر، أما وجود أمة عالمية بديلة تترابط أفقيـا” من خلال التجارة والاسـتثمار المباشر المتبادل والتبادل الثقافي والسلالي والسياحة ووجود سياق لحوار عميق فيبدو خيالا” جامحا”، ليس لأنه مستحيل بل لأن الرؤية الحديثة للعالم تبطل وتنفـي شرعية أية استكشافات بديلة للهوية . إن الأمم واقع، فهي تمنــح جــوازات السفر وتنظم العمالة وإلى وقت قريب نظمت رأس المال والتلــوث والهويــة (بطبيعة الحال جعلت العولمة الدولة القومية إشكالية إن لم تكن عرضتها كليــة للخطر). يقوم النموذج المؤسس لرؤية العالم الاستراتيجي على إدراك الصــراع مع الآخرين وينتج عنه الحاجة للسيطرة والدخول في نضال دارويني من أجــل البقاء.

 

وقد تعرض الإسلام لمثل ذلك بما أدى إلى توترات بالغة بين الدولة والفـرد (بالنظر للأفراد الذين يعتنقون رؤية غير دولانية للإسلام على أنهم تهديد) وبيــن الدول ( مع ادعاء كل دولة ارتداءها عباءة الإسلام كما تحدده الســلطة، وإلــى حد ما الإخلاص للنموذج الإسلامي)، وكانت النتيجة إسلامــا” غير عــالمي مصطبغا” بالطابع القومي، وذا طابع دفاعي إزاء الغرب ومتفتت وعدائي تجــاه شعوبه، وكانت الكلفة الأغلى خسارة مقولة المجتمع العالمي، أي الأمة نفســها ناهيك عن المستقبل. إن تصور إسلام عالمي غير محدود بأمة أو قائد ولا يقويـه وجود عدو أو خوف الآخرين هو البداية الأولى، ومهمة رؤيــة أمة المستقبل الإسلامية هي عكس لهذه العملية وإبداع لرؤية تدفع الحضارة قدمــا ولا تجــر الناس للركون للجبن والخوف، وكما حاجج فرد بــولاك ” Fred Polak”” في كتاب” صورة المستقبل”13 فإن الحضارات التي تملك صورة للمستقبل متفائلــة بشكل أساس بصدد طبيعة البشر،ن وإيجابية إزاء ما يمكـن أن يصنعـوه هـي حضارات صاعدة، أما تلك التي لا تملك أي صورة للمستقبل وبالأساس متشائمة إزاء طبيعة البشر، وسلبية إزاء إمكانية التغيير عبر الزمن فهي في هبـوط وتدهور، وإذا ما أضفنا نظرية “بولاك” إلى المفهوم الخلدوني للقوة يصبح لدينـا تاريخ كلي macrohistory ومستقبل كلي ثري14.

 

فعند ابن خلدون تصبح حياة من هم خارج القوة الرسمية( أو ما يدعوهـا السلطة الملكية ) أشد صعوبة وعرضة للتحديات ،ومن خلال النضال يكتسب هؤلاء وحدة جماعية وطموحا” إلى قوة الدولة ،ولكن بمجرد تحقيق هذا الطموح وخلال أربعة أجيال ،تختفي الرؤية ويفقدون الوحدة ،وفي الوقت الذي تتدهور القوة تبدأ قوى جديدة برؤية / وحدة أقوى في تــولي مقــاليد القيادة15 .

 

وهكذا تواجهنا مهمة تاريخية لها مطالبها، فتخيل مستقبلات الأمة أمر إشكالي بسبب سيطرة:

 

(1) التفكير ذي الترعة الاقتصادية الجامدة.

 

(2) نموذج الواقعية الجديدة الإرشادي.

 

(3) تدريبنا الصارم في التاريخ والحقول العلمية التقليدية.

 

(4) خوفنا من أن نصبح سخفاء أو مثيرين للجدل.

 

إلا أن ذلك ممكن! ويجب للقيام به أن تفي الرؤية بالمعايير التالية:

 

1- يجب أن تكون لها شرعية وسط جماعتها التفسيرية ؛ أي أنها لا يمكن أن تكون مجرد خيال فرد جامع، بل يجب أن تحوز اتفاق أعضاءها.

 

2-يجب أن تمس الطبقة المادية للواقع ( العالم المادي للسلع والخدمات).

 

3- أن تكون ذات مغزى للرؤى التقليدية للرشادة حتى وهي تصارعها.

 

4- يجب أن تضفي النبالة على الشعب.

 

5- يجب ألا تكون بعيدة جـدا” في أعماق المسـتقبل ( ومن ثم تبدو مدينــة فاضلة (يوتوبيا) لا يمكن الوصول إليها، وآلا تكون قريبة الأمد جدا” ( ومن ثم مفعمة بسياسات الأنا العاطفية والترعة الكلبية تجاه التغير التحويلي)• .

 

6- يجب أن تعيد تعريف دور القيادة والطليعة وختاما” يجب أن تكــون أسطورية16.

 

 

وكما ذكرنا آنفـا” يجب أن تمس الرؤية مستوى اللاوعي العميق، والرمزي غالبا”، لما يعنيه كوننا بشرا” ودورنا كبشر – وكمسامين – في التــاريخ والمستقبل. يجب أن تمكن الرؤية الناجحة كل واحد منا من أن يحول ذاتـه ومجتمعه بشكل غير محدود ويمكن أن تساعد نماذج الكمبيوتر التفكير الذي لـه طابع الرؤية يجعله أكثر صرامة واستكشاف التداعيات غير المتوقعة واختبار الافتراضات.

 

نحو مشروع إسلامي للدراسات المستقبلية:

 

ولكن لماذا الدراسات المستقبلية؟ وما قيمة حقل الدراسات المستقبلية في استكشاف أمة الأجيال المقبلة؟

 

أولا”: تأخذ الدراسات المستقبلية الزمن بصورة جدية، فعادة ما يعد الزمن متغيرا” مستقلا ولكن الدراسات المستقبلية بدلا من ذلك تنظر للزمن على أنه متغير تابع للخبرة الإنسانية والحضارية17، ويرجع السبب في ضيق المسلمين بالحداثة جزئيا إلى الزمن كان في الغالب أكثر تنوعا، فكان التقويم الهجري مهما” بل كان أسلوبا” لتسجيل الواقع أهم من التقويم الميلادي، علاوة على ذلك كان التوقيت القمري محوريا” بالدرجة نفسها، ومن منظور إسلامي فإن تفكير أجيال المستقبل على درجة الأهمية نفسها، وتحاول بحوث الأجيال المقبلة صياغة مفاهيم إرثية للزمنية محاججة بأنه بدلا من التنبؤ لعقود قادمة أو تزكية لغة دراسات القرن الحادي والعشرين يجب أن نأخذ بشكل جاد في الاعتبار المستقبل الذي سيشكله أبناء أبنائنا وسبعة أجيال قادمة، ويمكن أن تصبح هذه الإمكانية أمورا جارية بمجرد أن نأخذ المستقبل والزمانية كإشكالية لا كمعطي. وكما تعلمنا من ضياء سردار في كتبه المتعددة عن المستقبلات الإسلامية18 ومن منور أنيس19 وبارفيز منصور20 وأنور إبراهيم21 وسيد حسين نصر22 وميريل دافيز23 “Merryl Davies” ومحمد اكرم خان24 فإن الإسلام رؤية للعالـم مستقبلية التوجـه، وهي كذلك لأننا نعرف من حياة النبي(ص) أن الرؤية والدعوة أصبحتا سلسـلة من الخطط الإستراتيجية لتحقيق هذه الرؤية، فقد أوضحت حيـاة النـبي(ص) بشكل كامل القدرة الإنسانية على عقل الماضي والتعلم منـه والبحـث بشــكل سليم – مستقبلي التوجه، حيث يعرض بديلا للاشــتراكية دوليـة التوجـه والرأسمالية التي وصلت ذروة الجشع. وعلى حين يحاجج البعض بأن الإسـلام ليس مستقبلي التوجه بالمعنى الزمني، لأن علاقة المسلم الأولية هي خضوعه للإله (فكما يقول البعض لم نهتم بالمستقبل لنثق فقط بالله) فإنه يجب فـهم الإســلام ليس على أنه مجرد دين يوضح العلاقة بين الذات والإله فحسب بل على أنه حضارة تشير إلى كيفية معاملة كل فرد للآخر وللطبيعة وعمل الخير، فقضايا الاقتصاد والحكم غير منفكة عن الخطاب الديني، فالإسلام لا يدفع كل فـرد ومجتمع لقياس حاضره على مستقبله المثالي، كما تمثل في حياة وتعاليم النبي (ص) فقط، بل لديه القدرة على أن يصبح نموذجا تخطيطيا للمستقبلات.

 

إن التزام الإسلام بمستقبل بديل لا يسقط التاريخ من الاعتبار، ويمكـن استعادة نظام المدينة السياسي ونجاحات المسلمين الأخرى من نموذج الحداثة الإرشادي البالغ التقوس والانحناء، فيمكن استخدام التاريخ لصنع المســتقبل، ويجب النظر إلى التاريخ كجزء من حيز تفسيري وكحيز للمستقبل، وهكذا لا يتوجب علينا الالتزام بأي صورة خطية للمستقبل، وبشـكل أكـثر تحديدا بمقولـة أن المستقبل غير الغربي سيتبع مستقبل الغرب فهناك طرق بديلة بعيدا عــن متوالية الإقطاع ثم الملكية والترعة الانغلاقية التقليدية، ويحاجج البعض بـأن الغرب، وهو في تعبه الأخير، يعاني أزمة عميقة ولا يمكن أن تأتي أية بدائل إلا من خارج الإمبراطورية من أولئك الذين لا يدينون بصور وأساطير القوة المتمركزة وحكم الفنيين25.

 

وفي الوقت نفسه فإن التاريخ الذي غالبـا ما يكون موردا قــد يصبـح لعنة26 فأغلب مواطني جنوب أسيا (أيضا أغلب مواطني الأراضــي الــتي تخلصت من الاستعمار) والمسلمون يعانون وطأة لعنات التاريخ من حيـث إن الذاكرة التاريخية ومعارك معينة هي التي جددت تعريفهم لأنفسهم، ومـع ذلــك فقد أقام شتات سكان جنوب آسيا وتدفقات اللاجئين المسلمين وعمال المعرفـة والسياح علاقة جديدة بمثال الوطن، فقل اعتبار الوطن مكانا ثابتـا وفئــة جغرافية معطاة للأبد، وقلت قدرة جغرافية معينة على تحديد هوية الآسيويين الجنوبيين والمسلمين، وأصبح ما كان يعد أحداثا قومية أسطورية (تقســيم – ثورات – معارك) أقل أهمية، وأصبحت للأحداث اتجاهـا إيجابيـا يدفعنــا خارج الذاكرة التاريخية والحالية وأصبح المستقبل مكانا حقيقيــا، وإذ إنــه يمتلئ بالإمكانات فقد أصبح هذا المكان يعد وطنا.

 

الدراسات المستقبلية الحديثة:

 

كان للبشر في معظم الحضارات اهتمام عميق بما سيحدث لهم كأفراد وكجماعات، ومع ذلك لم يصبح المستقبل ضمن نطاق المناهج العلميــة إلا مؤخرا، وأصبح التنبؤ الكمي غالبا أسلوب المخططين والاقتصاديين وعلماء الاجتماعيات بامتياز، ويكمن وراء ذلك منظور يرغب في جعل العالم أكـثر استقرارا وفي أن يتحكم في المستقبل، والافتراض الكامن وراء التنبؤ أنه في وجود معلومات أكثر ولا سيما معلومات ترد في الوقت المناسب يمكن للقادة والمديرين صنع قرارات أكثر حكمة. إن الحصول على معلومات أكثر أمر مهم عامة وفي الوقت الحالي خاصة لأن معدل التغير التقني زاد بشكل مثير، فنحـن نعيد صنع أنفسنا باستمرار إلا أن الحاجة للمعلومات – كما كانت في الأزمان السابقة – يحتمها الخوف من المستقبل والشعور بالعجز إزاء قوى لا نسـتطيع فهمها وتبدو أكبر منا، وكان هذا أمر مأساويا في العشرين عامــا الأخـيرة خاصة، لأن كل أزمة أصبحت أزمة عالمية، ويعود ذلـك – جزئيــا – إلى وسائل الإعلام الإخبارية الوطنية والعالمية، وأيضا لأن القضايا الآن قضايـا عالمية.

 

وقد نمت الدراسات المستقبلية في الآونة الأخيرة خاصة، وأصبحت شبه شرعية، وبذلك تم تحديثها وتبناها مخططو المؤسسات ومعاهد السياسة ومكاتب التخطيط الحكومية وأصبحت الدراسات المستقبلية مرتبطة بالتخطيط القصير والطويل الأجل، إلا أن الاختلافات بين الدراسات المستقبلية والتخطيـط لها دلالاتها27.

 

فأولا: الدراسات المستقبلية ذات توجه أطول مدى بكثير ومعنية بمئـات الأعوام القادمة.

 

ثانيا: يلتزم التخطيط بمستقبل واحد معين، أما الدراسات المستقبلية فتصـر على رؤية المستقبل تعدديا ومفتوحا، وفي هذا الصدد فـإن كـل رؤى الواقــع في ما بعد الحداثة سليمة، وعلى حين أن نفع المستقبلات بالنسبة إلى المســلمين هو في الاحتفاظ بها مفتوحة فإن من المهم اختيار مستقبل معين؛ أي خلق أفـق تخطيطي حول مستقبل معين.

 

ثالثــا: “على حين أن التخطيط غالبــا” ما يكون ذا توجه مــن القمة إلى أسفل فأن الدراسات المستقبلية تفاعلية تتضمن تعدد المشاركين قدر الإمكان.

 

ورابعــا: “الدراسات المستقبلية معينة بمسألة الأخلاقيات أي مـا يجــب أن يكون عليه المستقبل بدلا” من افتراض مستقبل غير ملتزم كمــا يغلــب علـى ممارسات التخطيط الطويل الأجل.

 

خامســا: “الدراسات المستقبلية معنيــة بالمجهول والاتجاهـات الجامحـة والمستحيل ويحاول التخطيط تضييق المستقبل، أما الدراسات المستقبلية فتعمــل بشكل مستمر لفتح المستقبل وبذلك تســعى الدراســات المســتقبلية لجعــل الافتراضات الأساسية إشكالية، وأخيرا” يعد المستقبل متعدد المســتويات: مــن ترديد الأحداث الجارية إلى الأسباب التي أحدثتها ورؤى العالم الكامنة تحــت عملية المعرفة والاكتشاف. إن الدراســات المستقبلية حساسة معرفيــا ومفتوحة للتفسـيرات المتعددة للواقع وأقل ذرائعية من التخطيط الذي يسترشـد بــأهداف الربح والكفاءة والقوة. وبينما نمت الدراسـات المسـتقبلية بســبب افتراض أن تنبؤات أفضل ومعلومات أكثر ستؤدي إلى قرارات أفضل وصنع سياسـة أفضـل، نست هذه الرؤية أن السياسات عادة ما تصنع بغض النظر عن الحقائق فيجــري الوصول إلى القرارات أو يتم صنعها لأسباب سياسية أو لدواعـي التمويــل أو نقص الإرادة المؤسسية. إن وضع قائمة بالمشاكل والمخاوف لن يقوم إلا بخلــق سياسات الخوف التي لا يتم فيها عمل شيء بدلا من خلق بدائل حقيقية فيستمر كتقارير يوم الحساب تخلق الخوف لا التحـول. إن تنبيه الآخرين ليس كافيــا لأننا أصبحنا مخدرين بصناعة الأخبار العالمية فأصبحت الأخبار أقاويل عالميــة المستوى القومي حيث تؤدي المكانة والكبرياء والرغبة في إعادة الانتخــاب أو دولارات البنك الدولي والأمم المتحدة إلى التغير كما تدل الشــواهد مـن النجاحات التي توردها تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية.

 

إلا أن الخوف هو الذي أدى إلى تطوير الدراسات المستقبلية التي تطـورت في الولايات المتحدة وأوروبة في الخمسينيات، ابتداء، كأداة لكســب مـيزة عسكرية إستراتيجية، وامتد نطاق هذه الدراسات من دراسة هرمــان كــاهن“Herman Kahn” التفكير في ما لا يقبل التفكير فيه: مشاهد ما بعد الحرب النووية”28 إلى جهود “هارولد لنستون” للتنبؤ بمن سيهجم أولا (مشاهد الــردع المستقبلية)29 وأصبح التنبؤ على الفور إشكاليــا، ففي مواجهة مواقف لا تتـوافر فيها أية حقائق – فعلى حين يمكننا تذكر الماضي فإننــا لا نسـتطيع تذكــر المستقبل – طور أولاف هلمر أسلوب دلفي30، وفيه يتم التقاط المعلومـات عـن المستقبل عبر معرفة العلماء، ويتم ذلك خلال31 عدة جولات يتعلم فيها الخــبراء من بعضهم بعضـا (تحديد مدى تباعدهم أو تقاربهم من الخــبراء الآخريــن) بشكل غفل من الاسم لئلا يتم بتحريف التنبؤات، وعبر جولات متكررة يتــم تطبيع التنبؤات في النهاية حول نزعة مركزية. وسرعان ما أصبحت الدراســات المستقبلية شائعة في الوكالات الحكومية والشركات الكبرى وكــان الهـدف المخفي في الأول أن تبدو حديثة وأن يتم ترشيد صنع القرار وزيادة الميزانية، أما في الأخيرة فكان الاهتمام بتحقيق ميزة إستراتيجية للمشروع.

 

وقد حاز هذا النمط الأخير من الدراسات المستقبلية شهرة عالمية خــلال عصر النماذج العالمية في السبعينات مثل نموذج “حدود النمو” حيث كــانت سلسلة الاتجاهات التي تصنع المستقبل (السكان، الأراضي القابلــة للزراعـة، المخرجات الصناعية، التلوث) مترابطة ببعضها بعضــا بشكل تفاعلي، وكمـا هو متوقع من سياسات الخوف كان الحل أن الحضارة كما نعرفــها “نحن” ستنهار ما لم تتم تغييرات درامية كان الهدف ليس كسب ميزة استراتيجية بــل تغيير النسق (أو هكذا بدأ الأمر)، ومع ذلك حاججت انتقادات بأن السياسـات العميقة للنسق (تاريخه الاستعماري والطبقي والحضاري والنوعي أي من حيـث الانقسام لذكر وأنثى) لم يتم الاقتراب منها وكانت هذه دراسـات مسـتقبلية فنيـة وتكنوقراطية تنبوئية التوجه بشكل أساسي، تختلف تماما عــن الدراسـات المستقبلية القائمة على الخيال التي دعا إليها جنجك “Jungk”.

 

ثلاثة أنماط من الدراسات المستقبلية:

 

قمت في نموذجي للدراسات المستقبلية بتقسيم المداخل المعرفية للمســتقبل إلى ثلاثة مجالات الأول تنبؤي والثـاني ثقـافي / تـأويلي والثـالث نقدي32 وسنستخدم هذا الإطار لاستكشاف أبعد لنماذج العالم المتنوعة.

 

يفترض في المدخل التنبؤي أن اللغة محايدة أي لا تسهم في تشكيل الواقـع، فاللغة تصف الواقع فقط وتعمل كصلة خفية بين النظرية والبيانات، ويفتــرض التنبؤ أن الكون حتمي أي يمكن معرفة المستقبل. ويمتاز الخـبراء (المخططـون ومحللو السياسات والمستقبليون) والاقتصاديون والفلكيون بهذه الرؤية ويصبـح الأسلوب الأكثر استخدامـا وتستخدم المشاهد المسـتقبلية (السـيناريوهات) كانحرافات ثانوية عن القاعدة بشكل أكثر بدلا مــن رؤى العـالم البديلـة، ويستخدم أكثر النماذج العالمية، سواء كانت “حدود النمو” أو “البشرية عنــد منعطف” أو النماذج الأخرى هذا المدخل، وتأخذ بالرؤية الحضاريــة الغربيـة للواقع وإن أكدت أنها عالمية، وإذ هي مجدية وفقيرة حضاريـا فإنها لا تسأل ما الفئات التي تستخدمها الحضارات الأخرى لبناء مستقبلاتها، وعادة مـا ينظر للسكان – على سبيل المثال – على أنهم عنصر سلبي لا أساس، وهــذا عنـد المسلمين وغيرهم سخف مناف للعقل، فالأطفال مورد أكثر أهمية، وزيادة السكان الفائقة عرض لعدم الكفاءة وعدم المساواة الأعمق على المستوى العالمي والإقليمي والقومي والنوعي (ذكر وأنثى).

 

ومع ذلك فإن ما ينفعنا في النماذج التنبؤية هو استخدامها في الأغلب لأفق زمني طويل المدى (مائة عام في “حدود النمو” و “البشرية عند منعطف”). وقـد تجنبت أغلب النماذج في التسعينات المستقبل مخافة النقد وفهمــا أن المسـتقبل حيز مفتوح وليس مغلقـا، إلا أن نموذج “حدود النمو” وغيره مـن النمــاذج تخدم بمدها أفقنا الزمني غرضـا مهمـا، كما تقوم بدور مهم في التأثير علــى كيفية رؤية صناع القرار للمستقبل وتقوم من خلال التسويق الشخصي والعـام للمعلومات بتغيير قائمة الاهتمامات العالمية.

 

إن العالم الإسلامي في أشد الحاجة لنموذج عالمي كهذا، ولكنه يقوم علــى التصور الإسلامي للمجتمع، وبتعميم هذا النموذج عالميــا يمكن أ، يقوم بدور عظيم في شرعنة رؤية المستقبل من المنظور الإسلامي، وسياقى تحديد أفق طويل المدى ولو تجاوز المائة عام ترحيبـا، وسيدفع الفنيين المسلمين خارج حـاضر الدولة القومية وإلى المستقبلات المعروضة. وكما قد يتصور البعـض، يفتقـد المدخل التنبؤي الصارم الكثير في تفكيره بصدد المستقبل فهو مدخل تكنوقراطي مجدب حضاريـا ويتجنب قضايا القيم، وهو مدخل غير مناسب من الرؤيـة الإسلامية للعالم حيث تصل الترعة الكلية وإدماج القيم في العالم إلى الذروة.

 

إلا أن ثمة مداخل أخرى للدراسات المستقبلية، فالهدف في المدخل الثقـافي ليس التنبؤ، بل نفاذ البصيرة، وتعد الحقيقة نسبية إلى الثقافـة واللغـة اللتيـن تشتركان بشكل حميم في صنع الواقع، ومن خلال مقارنة وبحث صور المستقبل المختلفة القومية والنوعية والعرقية نكتسب بصيرة نافذة إلى الوضع الإنساني. إن هذا النمط من الدراسات المستقبلية أقل فنية وتعد الأساطير فيها علـى مســتوى من الأهمية مساو للرضيات والتعلم من كل نموذج، في سياق البــحث عـن حكايات عالمية تحقق القيم الإنسانية الأساسية، هو المهمة المحورية لهذا المدخـل. وعلى حين تشغيل الرؤى مرحلة المركز في هذه الرؤية التفسيرية فإن دور البـنى مهم أيضا سواء كانت الطبقة أو النوع أو فئـات العلاقـات الاجتماعيـة الأخرى. نادرا ما يمارس التخطيط والتحليل السياسي شكلا” تفسيريـا ثقافيـا لوضع الأهداف أو تحليل الآثار،وهذه الرؤية مهمة – على سبيل المثـال – في مقارنة الرؤية الإسلامية والصينية للمستقبل أو مقارنة الافتراضـات الكامنـة خلف النماذج وهي مفيدة أيضـا” في السؤال عما إذا كـانت رؤيـة المـرء للمستقبل يمكن أن تصبح عالمية، وأن يتم تصديرها أم أن ذلك اعتـداء على الآخرين،وهكذا فإن دور الآخر محوري، وأغلب النماذج العالمية غير قـادرة على التعامل مع هذا المستوى من الواقع لان كل العوامـل يجـب أن تكـون مترابطة فيما بينها بشكل كمي، ومع ذلك فغن الإطار الثقـافي لـه أيضـا” حدود؛ غالـبا ما يكون كيفيـا ومن ثم ينقصه التحديد.

 

لا تهدف الدراسات المستقبلية في المدخل النقدي للتنبؤ أو المقارنة، بل لجعل وحدات التحليل إشكالية وجعل المستقبل غير محدد بتصور معين، فـلا نهتم بتوقعات عدد السكان ولكن بفئة السكان التي يتم إقرارها في الخطاب، فعلـى سبيل المثال قد نتساءل لماذا السكان بدلا من الجماعة أو الشعب وهل المفـاهيم الإسلامية للجماعة غير مناسبة، ولماذا السكان هم الذين تجري التوقعات بشأنهم بأية حال؟ ولماذا معدلات النمو أهم من الوحدة أو العصبية ( استحضارا لفكـر ابن خلدون )، إن دور الدولة وغيرها من أشكال القـوة في الخلـق خطابـات سلطوية محوري لفهم كيف يصبح مستقبل معين مهيمنـا. وتؤكد الدراسات المستقبلية أن الحاضر هش وأنه مجرد انتصار لخطاب معين على ما عداه، وهدف البحث النقدي قلقلة علاقات القوة الحالية يجعل تصنيفاتها إشــكالية وإثارة المشاهد المستقبلية والمواضع الأخرى للمستقبل، ومن خلال هذا التباعد يصبح الحاضر أقل جمودا”، بل وأفضل وتصبح فضاءات الواقع مفتوحـة للتـأويلات المختلفة وتخف السيطرة المحكمة لليبرالية الجديدة ويتسع المدخل التنبئي ويصبح الجديد ممكنـا. إن اللغة مشكلة لواقع وليست رمزيـة، وإذا كـانت البنى نافعة فإنها لا يجري النظر إليها على أنها عالمية شاملة بل على أنها مخصوصـة بتاريخ وقناعة معرفية معينة(حدود المعرفة التي تؤطر تعرفنا على الواقــع ). إن بحث المستقبلات الحضارية مفهوم محوري للمدخل النقدي الثقـافي، فيجعل البحث الحضاري التصنيفات الحالية إشكالية لأنها عادة ما تقوم علـى رؤيـة الحضارة المسيطرة ( في حالتنا هذه الغرب ) ويعلمنا أن وراء الواقع الاختبـاري (الإمبريقي ) واقعـا ثقافيـا تمكن خلفة رؤية للعالم ، وإذا كـان للنماذج العالمية أن تصبح مجدية لنطاق واسع من المراكز الفكرية النخبوية فإنها يجب أن تكــون قادرة على تجسير هذه التخوم الحضارية، وعادة لا تقوم بهذا لأنها تشيد العلــم كعلم خلو من القيم ومحايد، وتراه كمنتج عالمي وليس حضاريـا، ومشـروع أسلمة المعرفة في هذا السياق حيوي لإنقاذ المعرفة من استحواذ رؤية معينـة للعـالم عليها، فالعلم والنماذج على وجه الخصوص يمكن أن تكون بذلــك متنوعـة حضاريا.

 

كان نموذج باريلوش “Bariloche” الأمريكي اللاتيني من هذا القبيل33؛ فباهتمامه إلى حد بعيد بالعدل الاجتماعي والمساواة أكثر من قضايا النمو أظـهر النموذج أن تلبية الحاجات الأساسية مفتاح التنمية ومع ذلك رفضه نادي روما.

 

وهكذا يجب على المرء – من الناحية المثالية – أن يستخدم هذه الأنمــاط الثلاثة من الدراسات المستقبلية؛ فإذا قام المرء بتوقعات عن السـكان – علـى سبيل المثال – فإن عليه بعدها أن يسأل ما مداخل الحضارات المختلفة لقضيــة السكان، وختامـا عليه أن يفكك فكرة السكان نفسها وتعريفها، مثـلا ليـس باعتبارها مشكلة بيئية في العالم الثالث فقط بل بربطها أيضـا بأنماط اسـتهلاك العالم الأول ويجب دفع العلم الاختباري في سياق علم الحضارة التي بزغ منها ثم تفويضه لإظهار ما يفتقده مدخل معين ومل يسكت عنه.

 

خرائط أخرى للدراسات المستقبلية:

 

إذا كان هذا منظوري الخاص فإن ثمة منظورات أخرى بالقدر نفسه مـن الأهمية إن لم تكن أهم منظور ” هارولد لنستون ” الأقـل تفلسفــا وتوجــد عنده ثلاثة ميادين للدراسات المستقبلية34، الأول فني وهدفه حل المشــكلات ودراسة المنتج وتصميمه والاهتمام الرئيس توقع تقنيات جديــدة واســتخدام نماذج المحاكاة للتنبؤ بالمستقبل ويشكل ترابط العلم والتنقية هذا المنظور ويعطيه جوهره. الميدان الثاني تنظيمي وقضايا البيروقطية والتغير التدريجـي وتحليـل سياسة الحكومة والأعمال التجارية محورية في هذا المنظور. والميــدان الثـالث شخصي حيث تستخدم المستقبلات لفهم عالمنا الداخلي فهمـا أفضل وهنـا الاستشرافية Visioning والإبداع القصصي أهم.

 

وباستخدام هذا المدخل الثلاثي طبـق ميسـيني “Masini” وجيلوالـد 35“Gillwald” هذا المنظور على المستقبلات في أوروبة وغيرها محاججين بـأن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بتوجه تقني (فني) (التنبؤ التقـني في بيئـات الأعمال التجارية والعسكرية)، وأن أوروبا بدأت بالشخصي (فركزت علــى الرؤية والتحول الاجتماعي) وكلاهما انتقل إلى المستقبلات التنظيمية.

 

إلا أن ضياء سردار هو الذي طبق هذا النموذج تاريخيا وطور أساســا نظريـا لهذا التصنيف للدراسات المستقبلية وحاجج سردار في كتابه “استعمار المستقبل”36 بأن دراسة المستقبل تبعت خطى مسيرة الاستشراق الحثيثة، فقـد أصبحت الدراسات المستقبلية تسيطر عليها الترعة الغربية في ظل قيام مصـدر التطور على علاقة الغرب بما عداه، أما المصادر والرؤى غير الغربية فلا تستخدم إلا حين تناسب رؤية الكون الغربية بشكل واف، إما بموافقتها وإما بمعارضتـها من منطلق الولاء لها، ويرى “سردار” أن الدراسات المستقبلية ركــزت على الاهتمامات العسكرية والتجارية كأسلوب للتعامل مع كل من تهديد الشيوعية (كمستقبل محتمل للعالم الثالث) وقومية العالم الثالث فقد نمــت الدراسـات المستقبلية بشكل طبيعي من المركب الصناعي العسكري الأمريكي. وبدءا مــن هذه المرحلة أخذت الدراسات المستقبلية بعدا شخصيـا، إذ أصبحت قضايــا الذات والبيئة والغرض محورية للغرب بمجرد قيام حركات البيئة والسلام والمرأة بها، إلا أن نماذج الروحانيات كانت صورة مشوهة للروحانية غير الغربية، وقـام الغرب هروبـا من نزعته الصناعية بإسقاط خوائه على العالم غير الغربي وعالمه ما قبل الحديث، وتطورت الدراسات المستقبلية في مرحلتها الحالية متوافقة مـع الرؤى التنظيمية وفي ظل حدود حاسمة للحقول العلمية، وحاجج سردار بأنــه جرى تشجيع الأطر الغربية للدراسات المستقبلية – شان غيرها من العقــول العلمية – على إقصاء المستقبلين الآخرين والأشكال الأخرى من الدراسات المستقبلية. إن ما نحتاجه هو التخلص من استعمار الدراسات المستقبلية، حيـث تنشئ الحضارات المختلفة أطر وأنماط مستقبلاتها ودراساتها المستقبلية37. وعلــى الأمة الإسلامية والسانغا البوذية والساماج التنترية (حركة الشعب) والشــعوب المحلية أن تتخيل مستقبلها أحاديــا. وهكـذا أضـاف سـردار إلى نمـوذج ميسيني / جيلوالد “Masini / Gillwald” جدل الاسـتعمار والتحـرر مـن الاستعمار.

 

ثمة تفرقة مهمة بين التنبؤ وعملية الرؤية. ونادى “روى أمارا” من معــهد المستقبل وأحد قادة الحقل في السبعينيات بمعيار ثلاثــي : المحتمل والمفضـل والممكن وأضاف “كلمنت بزولد” من معهد المستقبلات البديلة إلى هذا المدخل “الأقرب للوقوع”38. أما الممكن فهو ما قد يحدث وهو الحدود القصوى لنطاق الإمكانات الخلاقة، وينشغل الأفراد بهذا المدخل. والأقرب للوقوع فئة فرعيـة منه وهو ما يمكن أن يحدث باعتبار البنى المتنوعة وحدود الإنسانية وقوانين العلم والطبيعة.

 

والمحتمل هو الذي يحتمل وقوعه باعتبار الاتجاهات التاريخية المتنوعة. والمحتمل تحليلي يمكن إعادة إنتاجه وعادة ما تقوم عليه فرق مراكـز البحث، ويقترن المفضل بالقيم وهو معياري تشاركي، ويتصل بمـا نـوده، والممكـن والمفضل هما الأقل قابلية للتكميم والمحتمل والأقرب للوقــوع همـا الأكـثر تكميمـا.

 

وقد وضع ريتشارد سلوتر ’’Richard Slaughter‘‘ الدراسات المسـتقبلية ضمن خريطة رأسية، فعنده ثلاث فئات رئيسة على هذا المحور الرأسي: الأولى أن الدراسات المستقبلية تعني بالتنبؤ الاقتصادي والفني وتحليل النظم ( النمذجـة العالمية ) وعلم الإدارة، الثانية الدراسات المسـتقبلية معنيـة بكتابـة التبعـات (الشاهد) المستقبلية للأحداث والرؤية ونقد الأعمال المنشورة في الحقل ، والثالثـة أن حركة المستقبلات معنية بالانتظام في شبكات والتمكين النفسي من خــلال علم نفس عبر الأشخاص إنساني39.

 

إن ما تفتقده نماذج “أمارا” وغيرها واضح: دراسات مستقبلية حضاريــة، وتخيل المستقبل من مقولات معرفية مختلفة، فعلى سبيل المثال يعبر عن الاهتمـام بالمستقبل بشكل مختلف في الحضارات المتنوعة فالمستقبليات البوذية لها مبـادئ واضحة جدا وهرم على مستوى واحد والمستوى الآخر أكثر اهتمامـا بقضايـا الحياة الماضية والحياة المستقبلية أي بالمقدس، أما المستقبليات الإسلامية فـهي أكثر اهتمامـا بتخيل المجتمعات المسلمة المستقبلية التي تقوم علــى مشـروع أسلمة المعرفة أو تتساءل عن أي أنماط التنمية الاقتصادية ستتبناه هذه المجتمعـات إذا ما انتظمت حول المفاهيم الإسلامية المقررة كالربا والزكاة، كما أنها معنية أيضا بالتوجهات المستقبلية للمذاهب الإسلامية المختلفة متسائلة عـن كيفيــة اختلافها في توجهاتها نحو الزمن.

 

النماذج العالمية نمط معين من الدراسات المستقبلية يقوم على تحليل النظــم وقد ظهرت خلال وقت معين: خلال صعود الحركة البيئية وبدايــة العولمـة والخوف من النمو الاقتصادي الذي لا ينتهي والاهتمام بالآثار السـلبية للتقنيـة، كما يجب النظر إلى هذه النماذج كجزء من نزعة حكم الفنيين، وغالبـا مــا تكون الحلول التي يضعها القائمون بهذه النماذج من قبيل الحلول التي تركز علـى الدولة والحكومة، ونادرا ما ينظر للمجتمع المدني كمتغير مستقل جدير بصنـع المستقبلات40، فهو متغير ساكن والنماذج العالمية أيضـا غربية التوجـه بشـكل واسع، فأمريكا اللاتينية فقط هي التي صنعت نموذجـا على أساس غير غربـي، وسنراجع الآن بشكل موجز النماذج المتنوعة وننتقــل بعدهـا إلى مشـاهد المستقبل.

 

مراجعة النماذج:

 

من الواضح أن نموذج نادي روما “حدود النمو” أكثـر النمـاذج أهميـة ودلالة، وقد كان نموذجـا لنظم مجمعة بشكل غير متقــن لسـكان العالــم والتصنيع والتلوث وإنتاج الغذاء واستنفاد الموارد، وكان تفرد هذا النموذج في أن هذه المتغيرات كانت كمية، وهو أمـر جديد تمامـا، كمـا تميز أيضـا بنقـده للنمو، وألهمت دعوته لوجود حدود البيئيين وغيرهم ممن أحسوا بأن الحداثــة اشتطت بعيدا وأخافت الصناعيين، إلا أن النموذج لم يفرق بين المناطق، وقــد عالج نموذج “البشرية عند منعطف” الأكثر دقة الطبيعة العالمية المفرطة لنمـوذج “حدود النمو” حيث استخدم النماذج الإقليمية وأكثر من مـائة ألـف معادلـة لمحاكاة الوضع الإنساني أو الإشكاليات العالمية، وكانت نتائجه الختامية الرئيسـية أن الاتجاهات الجارية ستؤدي إلى انهيار اجتماعي (هبوط لا يمكـن ضبطـه في السكان والقدرة الصناعية غالبـا بعد عام 2015)، ولكـن هذا التدهور لــن يؤثر على العالم بأسره في الوقت نفسه بل سيصيب منطقة بعد أخرى).

 

إن دراسة نموذج “حدود النمو” (التي انطلق من قاعدتها النموذج) تفـترض عدم حدوث أي تغير رئيسي في العلاقة المادية والاقتصادية والاجتماعية الــتي حكمت تاريخيا النظام العالمي41 ومعنى ذلك إقرار مواقف التفاوت التاريخيـة، واستبعاد عوامل صعود الإسلام وحركات المرأة والتقنيات الجديدة وبناء علــى هذا النموذج كانت النتيجة الختامية أن الغذاء والمخرجات الصناعية والسـكان ستنمو بشكل متضاعف إلى أن تجبر قاعدة الموارد التي تتقلص بسـرعة النمـو الصناعي على الإبطاء42 ومن حنكة هذا النموذج أنه تضمن الفتــرات الزمنيـة، فبسبب التأخيرات الطبيعية في النسق سيستمر كل من السـكان والتلـوث في الزيادة بعض الوقت بعد الوصول لذروة التصنيع، وسيوقف ارتفــاع معـدل الوفيات بسبب نقص الغذاء والخدمات الصحية ونمو السكان في النهاية43.

 

وعلى حين لا يمكن تخطئة نموذج “حدود النمو” بشكل كامــل بسبب نموذجه القياسي العادي المستوى، فإن المشاهد المستقبلية البديلة التزمت بـالقدر نفسه بالمتغيرات ذاتها، فعلى سبيل المثال، وفي اتجاه آخر تتضاعف موارد العـالم إلا أن هذا يؤدي إلى مخرجات صناعية أكثر ومن ثم تلوث أكـبر يؤدي لتدهـور في إنتاج الغذاء وتدهور محتمل قي الموارد ومن ثم وفاة الملايين، حتـى لـو تم التحكم في عدد السكان، فإنه هذا يحتاط لنفاد الطعام لمدة عقد أو عقدين فقط وستكون النتيجة هي نفسها، ومع عمل النموذج عادة ما تكون النتائج واحـدة، وهكذا يعاد تمثيل السياسات نفسها في كل الأحيان بدلا مـن اختيار مشـاهد مستقبلية بديلة على أساس نمذجة افتراضات مختلفة، والنتيجة هـي أن الترعـة الصناعية الموفورة القوة ستؤدي إلى انهيار عالمي.

 

وقد استخدم مؤلف “وراء الحدود” نموذج الحاسب الآلي نفسه وانتهى إلى النتيجة نفسها: “تجاوز العالم فعلا بعض حدوده، وإذا اســتمرت الاتجاهـات الحالية سنواجه آفاق انهيار عالمي مؤكد ربما خلال حياة أطفال اليوم”44.

 

يتناقض هذا مع النماذج الحالية مثل “مسح المستقبل” الـذي يفـترض أن الرخاء سيستمر إلى الجيل المقبل45 وتؤكد التقارير الحديثة مثل تقرير هرمــان كان Kahn “في المائتي عام القادمة بعد السـبعينيات” علـى أن النمـو يمكـن أن يستمر ويجب معالجة بعض الترتيبات المؤسسية والتنظيمية الثانويــة للسـماح بالنمو، فالمشكلة عند “كان” هي فقدان الثقة وليست أية علاقـة نظاميـة بـين السكان والتلوث والقدرة الصناعية، ويعتبر “كان” الأزمة الحالية جزءا فقط مـن التحول العظيم الذي بدأ منذ قرنين مع بداية الثـورة الصناعية، ويعتقـد أن المستقبل الأقرب للوقوع هو أنه بقدوم عام 2126 سيصبح الدخـل الفــردي عالميا 200 ألف دولار (بدولارات 1975) وأن عـدد السـكان سـيصبح 15 بليون فرد ليصل إجمالي الناتج العالمي 300 تريليون46. بالطبع سـتكون ثمـة انتكاسات إلا أن عظم الاتجاه سيجعله يتجاوزها ويجب حل مشكلة السـكان بإيجاد الثروة وليس تنظيم الأسرة والإجراءات الأخــرى وسـتجد التقنيـات الجديدة مصادر جديدة للطاقة وقد يتبنى العالم الثالث مؤسسات كفؤة وقيمــا ذات توجهات للنمو، فإن المستقبل مشرق.

 

إلا أن المستقبل لا يمكن مشرقا – إذا قيس بنموذجــي (حــدود النمو) والبشرية عند منعطف – إلا إذا تم خفض ضغوط الســكان والتلوث وزادت عملية إعادة التشغيل وتحققت مساواة عالمية أكبر، ومع ذلــك فــإن لنموذج “البشرية عند منعطف” جانبا أكثر شمولا ويقدم إضافة لذلك – النتــائج التالية:

 

1 – يجب تطوير وعي عالمي يحقق من خلاله لك فـرد دوره كعضـو في المجتمع العالمي.

 

2 – الحاجة لأخلاقيات جديدة للموارد المادية للتعامل مع عصر النــدرة القادم.

 

3 – يجب تطير اتجاه الإنسان والتوافق مع الطبيعة.

 

4 – على البشر إنماء حس التوحد مع الأجيال القادمة47.

 

يرى مؤيدو نموذج حدود النمو أن الزيادة الفائقة في السـكان ســتؤدي إلى تدهور الموارد الذي سيؤدي إلى تدهور القدرة الصناعية ومن ثــم إلى سوء التغذية وهبوط عدد السكان، وأيما كانت حجتك فإن مســتقبل النمو بعيد الأمــد كئيب. ونظرا لترابط تلك المتغيرات يجب أن نغير بشكل حاد قيمنا وافتراضاتنــا حول كيفية صنع البشر للثروة وتقييمهم لها، وكيف يتعايشون مع الطبيعــة. إن البديل عند نموذج “حدود النمو” حالة تجمع بين اقتصــادات دولــة وطيــدة واستقرار بيئي واقتصادي. وغالبا ما تعزز الحلول الموضوعة حكــم الفنيــين (مثل تطوير تقنيات أكثر مقاومة للتلوث) ويفسر هذا – جزئيــا _ لمــاذا راج نموذج حدود النمو وحظي بالقبول، فحلوله وانتقاداته مما يمكــن أن يتفهمــه صانعو السياسة الليبراليون، فالمشكلة في النهاية هي السكان الغاية في الكثــرة (مشكلة عالم ثالث) والتلوث (مرة أخرى تم إبعادهــا للجنــوب) (والنمــو الصناعي السيئ) (تطوير مجتمع نمو ما بعد صناعي) والموارد النافذة (إيجاد موارد جديدة). أما قضايا العدالة والمساواة فليست جزءا من المشكلة علاوة على ذلك كانت هذه الدراسة والدراسات الأخرى جيدة الأداء لأنها متوافقــة بشــكل أساسي مع الرؤية المسيحية للكون48 ، فحصلنا من المذهب البروتستنتي التطهري على فكرة القيود المعنوية، فالخاطئون هم منتجو التلوث والســكان واســتنفاذ الموارد ويمكن أن يهتدوا إذا تابوا (أصبحوا أقل أطفالا وتلويثــا ويتجنبــون استهلاك الموارد غير المتجددة) وبطبيعة الحال فإن كل خاطئ يــهتدي يحمــي النظام من تحول بالغ العمق49 . وأخيرا فكرة سفر الرؤيا من أن الكارثة قادمــة وإنها بعيدة بحيث لا يمكن اختبارها واقعيــا ولكن ليس إلا حد إهمالها50.

 

وأخيرا، ومن منظور العلم الثالث الإسلامي فقد تم تجاهل قضايا الاستعمار والإمبريالية والتوزيع غير متكافئ للموارد (داخل الأم وفيما بينــها) تمامــا، وبدلا من القلق بشأن أزمة ستنفجر بعد مائة عام فإن الكارثة التــي يصفــها المؤلفون حلت بالفعل في مدن متعددة، وعبر نموذج حدود النمو عن المخــاوف من أن الأزمة ربما أصبحت الآن إشكالية لطبقة العالم الأول المتوسطة. إن نموذج “كاهن” و “حدود النمو” و “مسح المستقبل” كلها نماذج لا سياســية تفــترض “عالمــا متحررا من الصراع في عالم تكتنفه الاضطرابات والصراع مـن كـل جانب”51.

 

أحد طرق معالجة هذا في إطار مبادئ الدراسات المستقبلية تبين الاختلافات العميقة عبر نطاق ممتد من المشاهد المستقبلية (السيناريوهات)، فهناك مشــهد النمو (كمشهد كاهن) أو مشـهد الانهيار (حدود النمو) أو مشــهد إمكانيــة تحقيق حالة مطاردة (البشرية عند منعطف) أو مشروع “عالم عام ألفين” الــذي قدمه جيرالد بارني للرئيس كارتر أو (وهذا أمر حيوي) نطاق آخر من المشاهد التحولية حيث يتغير النظام بكامله، وهذا هو الإسهام الحقيقــي للدراســات المستقبلية الأكثر نزوعــا للرؤية التي تولاها جـالتونج ودارتـور وهـارمون وجنحك وبوالدنج والعديدون غيرهم. والافتراض الكامن وراء التحولات أنهــا سواء تمت من خلال وسائل تقنية أو حضارية أو روحية أو غيرها من الوســائل فإن ثمة قفزة نظامية، وبذلك تحل المشكلات فلا يمكن حل المشكلات داخــل الإطار الموضوعة فيه،والافتراض هنا أنه في الوقت الذي يصعب تغيير معظــم فترات التاريخ، فإنه يكون خلال فترات التكون والتشكيل ممكنــا وســهلا، وخطأ النماذج العالمية أنها – برغم ادعائها العالمية والتركيب والترابط داخليــا – لم تفهم أ، مجيء التحول من الهامش ممكن وأن حضارات كالإسلام يمكنــها تجديد نفسها وأن تصبح صانعة للقوى العالمية بدلا من كونها ملتقية للاتجاهــات العالمية.

 

وأخيرا، وهو ما سيصبح مدخلنا للقسم الثاني من المقالة، فإن الاتجاهــات التي تتم دراستها غالبــا ما تكون الاتجاهات الأكثر وضوحا وهــي ليســت اتجاهات سياسية فحسب، بل عامة جــدا ولم يجــبر استكشــاف تحليــلات الاتجاهات الخفية أو القضايا البازغة ومن ثم تم وضع خطط لإبقاء ما لا يعكس بشكل ملائم للبيئة العالمية المتغيرة.

 

تحليل القضايا البازغة:

 

القضايا البازغة وفقــا لرؤية جيمس داتــور “James Dator”52 هـي القضايا ذات التأثير الهائل على المجتمع وإن قل احتمال حدوثها، ولما كانت هذه القضايا في الأغلب غير مفصلة فإن دراتور يرى أن أحد مؤشرات معرفة ما إذا كانت قضية ما قضية بازغة وليست مشكلة أو اتجاهــا أ، تبــدو ســخيفة، فيجب أن تكون القضايا مزعجة ومستفزة وتجبر المرء على تغيير كيفية تفكــيره ولاسيما في تحدي الافتراضات المسبقة عن طبيعة المستقبل. وإضافة إلى البحــث عن القضايا البازغة بين المتون وقصص الأفراد والجماعات خارج حدود المعرفة التقليدية (الهامش على سبيل المثال) فإن من المهم مسح الأدبيات المتاحة ضمــن المعرفة الرسمية أولا وعلى المرء في هذا المسح أن ينتخب قدرا واســعا مــن الأدبيان وأن يكون قادرا على تحديد ما هو داخل النموذج المعرفي الإرشــادي وما هو خارجه وما يمكن أن يحوله وما الذي لا معنى له، وعادة مــا يكــون للقضايا التي تقع خارج التصنيفات التقليدية إمكانية أن تصبح قضايا بازغــة، ومن أمثلتها قضايا حقوق الإنسان الآلي وإنهاء الهندسة الوراثية للتكاثر الجنســي ونفي السيادة عن دول معينة بسبب عدم قدرتها على الوفاء بمعايــير حقــوق الإنسان، وقضية قيام أمم متحدة جديدة (مجلس للــدول والمنظمــات غيــر الحكومية، انتخابات مباشرة للمواطن، مجلس للشركات العالمية ومنظمات العالم العسكرية)، ونهاية الرأسمالية. وهذه القضايا كلها – بشكل عام – لا يحتمــل وقوعها ولكن إذا وقعت سيكون له تأثير هائل على مجتمع المســتقبل، إلا أن مجرد عدم احتمال وقوعها وآثارها الهائلة ليست شروطــا كافية بــل يجــب أيضــا أن توجد دوافع وأسباب لتفكير المرء بأن قضية ما هي قضية بازغــة. يختلف تحليل القضايا البازغة عن ابتكار الخيال الجامح فهو بحث عن الموجــات الرقيقة التي قد تصبح يومــا موجات عارمة.

 

وهكذا يمكن استخدام تحليل القضايا البازغة لإبــداع مشــاهد بديلــة للمستقبل.

 

المشاهد المستقبلية:

 

تستخدم المشاهد المستقبلية متعددة عديدة فهي تساعد عند البعض علــى التنبؤ بالمستقبل، وبالنسبة للبعض الآخر توضح البدائل، أما عندنا فإن المشــاهد المستقبلية مفيدة في إنها تباعد عن الحاضر فتجعله إشكاليــا وجديرا بالملاحظة إنها تكشف الحاضر وتسمح بصنع مستقبلات بديلة وتواريخ أيضــا، ولا يمكن تغيير الحاضر عامة والحالة الإسلامية خاصة فالمســلمون إمــا يركــزون اهتمامهم على الغرب وإما يختارون تواريخ معينة يعتقدون أنها أبدية، فلا يجــب أن تصنع المشاهد مستقبلات بديلة فقط بل تواريخ لم تتحقق أيضــا، إلا أنهــا قد تتحقق إذا تم استبدال عوامل معينة. وللمشاهد المستقبلية مهمة تتعلق بالرؤيـة فيه تسمح لنا باكتساب رؤى نافذة عما يريد الناس أن يكـون عليه المسـتقبل أي المستقبل المرغوب وهذا أمر مهم من ناحية اكتساب الأفراد أهلية صنع المستقبل بدلا من التنبؤ به فقط.

 

ولسوء الحظ فإن أغلب الفنيين يطورون نماذج للمستقبل باختلافات صغيرة بين اتجاهاتها بدلا من تطوير مشاهد ثرية مركبة، فعلى سبيل المثــال اعتبـرت المشاهد الثلاثة في نموذج مسح المستقبل مستديمة فمعدل نمو التحــول العـالمي 3.4% والأزمة العالمية 2.4% والنهضة الأوروبية 2.9%53 وقد يكون هــذا النموذج عملا واقعيــا إلا أنه ليس تحوليــا والتحدي أمام المنمذجين المسلمين ليس مجرد نقد هذه النماذج فحسب، بل وعرض تعريفات بديلــة لاســتمرار البقاء. وأحد الأساليب الأخرى لتصميــم المشــاهد المستقبلية هــو تغيــير الافتراضات التي بنيت عليها، فيمكننا على سبيل المثال عمل مشاهد مســتقبلية للسياسة العالمية تقوم على بنى مختلفة للقوة، أولها عــالم أحــادي القطبيـة أي استمرار الحاضر، وثانيها انهيار النظام ما بين الدول بما يؤدي إلى الفوضى داخل الدولة وفي ما بين الدول، وثالثهما إنشاء نسق متعدد الأقطاب فقي وجود مهيمنين عديدين كالولايات المتحدة والجماعة الأوروبية واليابان والصين والهند وتركيــا (بالنسبة إلى المنطقة الإسلامية)، كل منهم له مجال نفوذه، والنتيجة اللازمة عــن هذه العودة لعالم ثنائي القطب ولكن بفاعلين مختلفين، ورابعها بنيــة حكومــة عالمية، فيجري خلق السياسات عالميــا في حين يتم تطبيقها محليــا، الاحتمال الخامس وجود حضارة غربية متفتتة في تفاعل إيجابي مع أمة إسلامية، وسيكون هذا موقفــا عالميــا مع وجود تكتلات حضارية: أمة إسلامية، جنوب شـرق آسيا بوذي كونفوشي، هند فيدية وهلم جرا.

 

وإذا كان بناء المشاهد المستقبلية مهما لتذكر أن المرء لا يستطيع تصميم مكان كامل بل أماكن جيدة، فأن التناقضات داخل المشاهد المستقبلية لا يجــب إسقاطها.

 

ويجب أن تتضمن المشاهد المستقبلية أيضـا دوافع متنوعة، فقد ركزنـا في المشاهد المستقبلية المذكورة آنفــا على الدوافع السياسية، ولكن هذه المشــاهد المستقبلية تبقى ملتزمة بنموذج للحكم يميز الدول عن الأفــراد والجماعــات وروابط الناس، وتفتقد هذه المشاهد دور الأفكــار والأرض نفســها والمــرأة والطرق البديلة لرؤية العالم والتسمية غير الدولانية للواقع، فــلا يجــب علـى المشاهد المستقبلية أن تجد دروبــا بديلة للحاضر فقط، بل إن تصور الحــاضر بشكل مختلف باستخدام المفاهيم الأجنبية غير المألوفة للمســتقبل بشكل جذري. إن القدرة على إعادة تفسير الماضي ومباراة الحاضر وخلق مستقبلات بديلة هي ما تجل الدراسات المستقبلية مختلفة عن العلوم الاجتماعية العادية والتخطيــط وبحوث السياسية، فالمهمة – على سبيل المثال – ليست تخيل مستقبلات بديلــة للعالم الإسلامي فحسب بل إعادة التفكير والنظر في الحكم والقــوة والبنيــة وجعل المفاهيم الحالية لكيفية تنظيمنا بوصفنا مســلمين لحياتنــا الاجتماعيــة والسياسية مطروحة للتساؤل.

 

استكناه الماضي:

 

إن خلق استراتيجيات لتحقيق الرؤية المفضلة أمر محوري لإعادة التفكـير هذه، وفي الوقت الذي يبني التخطيط التقليدي الأهــداف تأسيســا علــى الحاجات المباشرة فإن عملية رؤية المشاهد المستقبلية البديلة تبني الأهداف علــى أساس استكناه الماضي، فيعتقد في هذا الخصوص أن المستقبل حدث بــالفعل، ويملأ استكناه الماضي الأحداث والاتجاهات الضرورية لخلق مثل هذا المستقبل، فهو “يخلق تاريخ مستقبل؛ أي خطــا زمنيــا يوضح الأحداث الــتي يحتـاج المستقبل قيد النقاش حدوثها ليبزغ من الحاضر الذي نعيشه”54. وبالالتزام فعــلا برؤية معينة للمستقبل يسمح استكناه الماضي للأفراد بتطوير خيــال خــلاق، وينعكس التلازم المنطقي الوسائل / الغايات لينشئ سلسلة من الأثر / النتيجــة، وإذا تحققت الغاية يصبح التحدي أمام عملية الرؤية النقدية هو تذكر كيــف تم تحقيقها، وهكذا يصبح المستقبل الذي كان يعتقد في السابق أ،ه مستحيل قــابلا للتحقق، وقد قمنا باستطراد فلسفي مهم لتأطير النقاش حول مســتقبل الأمــة الإسلامية بشكل أفضل.

 

النماذج والحوارات الحضارية:

 

إذا كنا قد وجدنا أخطاء في النماذج السابقة لعدم وعيها بسياستها ولعــدم تضمنها لإمكانية تحول النسق فإن بعض النماذج بسمح بالمناظرة حول التحول، وأحدهما نموذج “عالم عام ألفين”، ويسعى هذا النموذج لتحديد النظام العــالمي البازغ وتشكيل مستقبله وإطار هذا النموذج حوار تخطيطي دولي بين مجمعة مختلفة من الرؤى التي تفترض الاتجاهات الفائقة التالية55:

 

1 – عدد سكان مستقر يتراوح بين 10-14 بليون نسمة بقدوم القــرن الحادي والعشرين.

 

2 – ستزيد المخرجات الصناعية بمعامل يتراوح بين 5-10 علــى مـدار العقود القليلة القادمة (ستقل المخرجات الوسيطة كثيرا نظرا لاكتشاف وســائل إنتاج أكفأ).

 

3 – يرتبط العالم بوسائل الوسائل الاتصالات وغيرها من التقنيات البازغة مع بقاء بعض المجتمعات فقيرة في المعلومات وأخرى ثرية بالمعلومات.

 

4 – إن ثمة ثورة في التقنية فائقة التقــدم في المورثات والإنسان الآلي والتقنيات الخضراء.

 

5 – تكامل علمي في شكل ثقافة عالمية مشتركة وشكل ما من الحكم العالمي.

 

6 – مزيد من التنوع والتعقد (في شكل طبقات الهوية والحكم).

 

7 – وجود جريمة وإرهاب وحرب محدودة.

 

8 – قيم متجاوزة.

 

9 – معيار عالمي للحرية وحقوق الإنسان.

 

علاوة على ذلك تسـمح النماذج بالمناظرة حول تحديد القضايا النقدية التـي تعوق التحولات:

 

1 – نقض التنمية المستديمة التي تقدر أجيال المستقبل.

 

2 – الفجوة بين الشمال والجنوب.

 

3 – إدارة التنوع والتعقيدات.

 

أما الاستراتيجيات فجميعها مثالية تركز على التقنيات الخضراء وأنســاق التعاون والمؤسسات التي تعمل على التخلص من المركزية والمشــروعات التي تجعل الإنسان محورها، وهذا النموذج في الحقيقة حوار يهدف إلى اســتحضار المنظورات الحضارية الأخرى، إلا أنه من الواضح أنه أخفق في دعوتــه لحوار حضاري ولكنه احتفظ بإطار فني (تكنوقراطي)، والأكثر من ذلك، فبإمكــان المرء أن يلقي نظرة على اقتباساته ومقتطفاته ليدرك فقر مصادره الثقافية. ومــع ذلك فإنه بداية مهمة، وعلى الأقل مقدمة حوار يلحظ المناظير غير الغربية. هذه المنظورات وغيرها ملخصة بشكل جيد في كتاب “ميشــيل مــارين” الأخير “مستقبلات العالم والأمم المتحدة”56. ومع أن مارين لخص مئــات الكتــب والمقالات عن المستقبل فقد استخدم في ذلك التصنيفات التقليدية مثل التقنيــة والبيئية والعولمة، ونحتاج تلخيصـا مشابهــا من المنظورات الحضارية الأخرى (على سبيل المثال براما أو التوازن الحركي من الهند أو أوهانا من هــاواي) أي يجب إدخال طرق أخرى للمعرفة وعلوم أخرى في النقاش على مستوى المعرفـة المصنفة، ولحسن الحظ قام منور أنيس ببحث في “الدورية الإسلامية” بدأ فيــه تصنيف المعرفة انطلاقــا من إطار غير غربي.

 

إلا أن المشكلة الأعمق، وهي مشكلة محورية بالنســبة إلى قضية تخيل المستقبلات البديلة، تتمثل في أ، العمل الفكري لا يزال يقوم علــى الحــاضر، وكما ذكرنا آنفــا نحتاج إيضاح القضايا البازغة، وسنراجع في هذا الخصوص جهدين عظيمين. يعتقد جيمس داتور57 أننا في تحول تاريخي يجعلنا غربــاء في أرض غريبة. وحدد خمس موجات عارمة تبشر بتغيير العــالم، وفي حـين أن الاتجاهات لا يمكن تغييرها فإن الموجات يمكن كسرها وهذه الاتجاهات عنــد داتور هي:

 

1 – السكان: التغير في سكان العالم مع وصول القوقاز لنسبة 5% مــن سكان العالم بحلول سنة 2025.

 

2 – الاقتصاد: عولمة رأس المال والعمل والتقنية والسوق إلى حد أن البطالة ستصبح الهدف الوحيد المعقول وسينتج عن هذا دولة رفاه عالمية.

 

3 – البيئة: مع أن التلوث وارتفاع مستوى سطح البحر بنفس أهمية نقص المياه فإن الأهم من هذا انتهاء التمييز بين ما هو من صنع الإنسان ومـا هــو طبيعي.

 

4 – التقنيات: الجزئية والحيوية (البيولوجية) والإلكترونية كلها تبشر بتغير من نحن ويسأل “داتور” ماذا سنقول لمن يستنسخنا؟

 

5 – الحكم: معظم الأنساق ستكون محلية وعالمية، إلا أن العديــد منها سيصبح في الفضاء، فالفضاء يبشر بتحويل أفكارنا المرتبطة بالأرض عن الثقافـة والدين والتقنية.

 

ستواجه هذه القضايا بشكل حاد العالم الإسلامي. كيف ستواجه الأمــة الإسلامية مسؤولياتها عن نصيبها الأكبر من سكان العالم؟ وهل سيبقى الإسلام مهددا؟ وهل سيطلع الإسلام بدور في العولمة بتجاوز مجرد تصديــر العمــال والنفط؟ وهل ستنتشر النماذج الإسلامية للأخلاقيات البيئية على نطاق واســع؟ وهل سيبدع المسلمون تقنيات جديدة أم سيستمرون ملتقين لها؟ وهل ســتبقى النماذج الإسلامية للحكم تسلطية أم ستصبح ديمقراطية أم ستســيطر نمــاذج جديدة مثل نموذج سنجافورة الأبوي حيث الأب يعرف ما هو أفضـل، وكيـف يمكن التوفيق بين الإيمان بأفكار أحادية عن الإسلام والترعة الإنقائيـة عنـد مسلمي اليوم؟ وبم تكون ثمة قضايا بازغة أكثر دلالة وقد عرضت بعضها والتي ستتحدى تأكيدا العالم الإسلامي على الأقل بنفس الشكل المؤثــر لموجــات “داتور”.

 

القضايا البازغة:

 

أول القضايا البازغة هي نهاية الواقع58، فبسبب التقاء الواقع المادي بـالواقع المنشأ اجتماعيـا عبر التطورات في الكمبيوتر والذكــاء الصنـاعي والواقـع الافتراضي والمناظير المعرفية الراقية، وبعد أن أصبح الواقع بسبب ذلك دالـة في موقع الفرد بشكل أكبر من ماهية الفرد (أي أن الواقع إطار تــابع)، سـيكون الواقع كما نعرفه قد انتهى، ولم يعد واضحـا ما القيمة ومـا النظريـة ومـا البيانات، فمع القدرة على توسيع تقنية الحاسب الآلي لن نكون قادرين علــى تمييز الواقعي من الخيالي، فقد لا تعدو صورة قائد عالمي يعد بالرخــاء كونهـا صورة صنعها الفنيون المأجورين. سيضعف الإخـلاص للمفـاهيم التقليديـة للتمثيل وستعقد مشكلة النص الأصيل أكثر لأن التفرقة بين أنمـاط الواقــع ستصبح غائمة. هل ستعرض الأديان إذا خبرات من الواقع الافتراضي لتصورهـا للإله؟ وبهذا المعنى يصبح الإسلام أقل تعرضـا للخطر لأنـه لا يركـز علــى الصورة، ولن يصبح الواقع مثلما كان مرة أخرى، وسـنكون موجوديـن في قناعات معرفية متعددة تمتد بفعل دورة الابتكار الثقافي. فما الــذي سـيصبح أساسـيا؟ وإذا كان العالم الإسلامي لن يجوز هذه التقنيات في الأيام القليلــة القادمة فإنه سيشعر بآثارها في السنوات القليلة القادمة.

 

سيصبح التقدم في الهندسة الوارثية بالقدر نفسه من الإضــرار بمفاهيمنـا التقليدية للواقع إلا الهندسة الوارثية بدلا من إنهاء الواقـع ستنهي الطبيعــي، فستبدأ الهندسة الوارثية بشكل غير ضار تمامـا حيث نريد جميعــا تجنــب الطفرات الشاذة والأمراض الوراثية العديدة، وهكذا سنرغب – بشـكل عقـلانـي – في فحصنا بالهندسة الوراثية لعائلاتنا ولكن هذا سيؤدي في الحال إلى تحسين القدرات وليس الوقاية من الأمراض، فسيصبح الذكاء والذاكرة وسمات الجسـم والجمال مطروحة للنقاش، وقد تدير مصانع الدولة الولادة وقد نكـون آخــر جيل ينجب الأطفال بالطريقة القديمة، وستكون التقنية قــد أنهـت الـدورة البيولوجية الحيوية ولن تختلف المرأة بأي شكل عن الرجل حالما تصبح قدرتهـا الإنجابية غير ضرورية. وثمة أسباب للانزعاج إذ إن المشهد المستقبلي المحتمل هو المشهد الذي تديره قلة لصالح القلة وتنتقل فيه موروثاتنا من الحيز الشخصي إلى السوق.

 

وإذا كانت الثقافة وعلم الحياة (البيولوجي) في العــادة علومــا تابعة فسرعان ما سيصبح بإمكان التقنية أن تحول ذواتنا البيولوجية، ويجــب في أي نمط للعلم ألا يكون هذا الجهد جهدا خاصـا بل يدخل ساحة النقـاش العـام، ويجب ألا تدرس قيمة هذه التحولات الدرامية فقط، بـل يجعـل المشـروع مسؤولا أمام الجمهور، فالهندسة الوراثية التي يجري حاليـا تطويرها تنذر بخلـق مخاطر لم نتخيل قط إمكانيتها. وهي تنازع الرؤية بأن الإله وحده هـو الـذي يمكنه خلق البشر. ومن الواضح كـما حاجج “منـور أنيـس”59 أن عـلاج المورثات ناهيك عن الاستنساخ ينتهك كل ما قرره الإسلام عما هـو طبيعـي وعما هو خطأ.

 

القضية المؤثرة الثالثة هي نهاية السيادة فنماذج الفعل الاجتماعي التبادلية أي رأسمالية السوق والحركة البيئية والحاجة لنظام إنـذار مبكـر ضـد الحـرب والكوارث الطبيعية تتضمن كل شئ إلا زواء الدولة وإن اســتمرت مكـاتب التأشيرات وجوازات السفر في جعل حياة العمالة بائسة عامة وعمالـة العـالم الثالث خاصة.

 

وقد حاولت نزعة الحماية الأمر نفسه بالنسبة إلى رأس المال ولم تحقـق إلا قدرا ضئيلا من النجاح، فرأس المال هو الأكثر حركة، والعمل أقلها حركة. أما الأفكار فتنتشر بشكل عام من أعلى من الغرب وفي اتجاهـات أخـرى أيضــا. لن تكون السيادة إشكالية على المستوى الاقتصادي فحسب، بل على مسـتوى الذات أيضـا” ( أصبحنا أشخاصـا” كثرين من ثقافات شتى ). وعلى مسـتوى النص ( لم تعد النصوص تنتمي أو تخص مؤلفـا واحدا” بل أصبحت أكثر معرفية في ملكيتها ) وسيستمر إغفال أسماء المؤلفين بشكل أكبر حيث سيصبح الــبريد الإلكتروني والكتابة غالبين، وسنعيش في عالم من الكلمات التي تفتقد المركــز وستكون محاولة خلق أطر ثقافية متفردة أصعب بكثير في عالم تخلق فيه قــوى العولمة ثقافة واقتصادا عالميين، وستصبح حماية الذات والثقافة والتاريخ صعبـة بشكل متزايد ولكنها ضرورية لضمان عالم يقوم على التعددية. وإن القدرة العالم الإسلامي والأمة الإسلامية على أن تجد مكانـا لنفسها جزء من قيام عالم لا مركزي، لأن الهيمنة الفكرية ستقل وسيصبح العالم بشكل أكبر سوقـا حقيقية وسيستمر حيز السيادة في الهبوط من أفله السيد إلى الملك كسيد ثم الشــعب. والآن إلى فكرة أن الذات سيد، والتحدي الماثل أمام العالم الإســلامي عـام 2025 م إسباغ الشرعية على نموذج مترابط للإله والجماعة والأسرة والذات في وضع ما بعد حداثي حيث أولوية الذات الأنانية محل منازعة.

 

وأخيرا فإن التقدم في علم الإنسان الآلي والذكاء الصنــاعي لـن يحـول جوهريـا حركة العمالة وتعريفنا للعمل فحسب بل ومفاهيمنا لمـا يعنيه كوننـا بشرا أيضا ويمكننا استشراف زمن يصبح فيه للإنسان الآلي وضـع قـانوني وإن لم يكن نفس وضع الآدميين ولكن سيتم إيجاد أو تطوير نمط ما من التصنيــف القانوني ليعطي الإنسان الآلي الحماية والقابلية للوم.

 

من السهل تصور الانتقال من عرض الإنسان الآلي كآلة إلى النظـر إليـه كحيوان أعجم ولكنه محبوب ثم اكتسابه حقوقـا قانونية كتلك التي للأطفـال. وسيؤدي هذا مع اقترانه بزيادة قوة الحركة البيئية إلى نهاية الإنسان كفئة تعريفية أولية وهذا – جزئيا – بسبب تطور علم الإنسان الآلي وأيضــا بسـبب التصورات الجديدة للحياة التي تجادل بأن الكون أكثر إلغازا من ذلك بكثير.

 

تبشر هذه التقنيات بالنسبة إلى الرأسماليين بالتحديد واستعادة الحيوية بعـد الإنهاك الذي بدأ خلال السبعينات والثمانينات فهي تبشر بإحياء فكرة التقـدم وسيقوم المشتغلون بالحساب الآلي وخبرات مختبرات الإعلام والهندسة الوراثيـة بإحياء الرأسمالية، وسيطرح هذه التقنيات الجديدة مشكلات حادة أمام بعضنــا ممن يعتبرون أن الطبيعي ثابت وليس متغيرا بشكل مطـرد وفي عمليـة خلـق جديد، كما أن التقليديين المتزمتين الذين لا يتبنون رؤية حركية للمعرفة يفسـح الاجتهاد لهم المجال للتقليد، سيجدون، بشكل خاص أن العشرين أو الثلاثــين عامـا القادمة هي أفضل الأعوام وأسواها؛ الأفضل لأن قوى التقليد سـتكون كبيرة، والأسوأ نظرا للحقائق التكنولوجية الإنسـانية لبحث نفســها بشـكل مطرد. وهكذا لن يكون من السهل رد الطبيعة على أعقابها، والاحتمـال الأغـلب أنه لن يتم التحكم في هذه النشاطات الحيوية بالقواعد المنظمة التي تقرهـا الدولـة بل بالتقنيات الجديد نفسها. وقد يكون الرد على هذه الأنمـاط مـن المشــكلات في التقنيات المتقدمة ( ماديـا وروحيـا وعقليـا )، فسـتتم إعـادة تعريـف التقنيات ذاتها في هذه العملية لا كمجرد عمليات مادية بل كعمليات عقليــة وروحية تتأصل في حضارات معينة، ومفاهيمنا للطبيعي والواقعــي وللحقيقـة والثقافي لن تعود ثابتة.

 

تهدد هذه الاجتهادات التقليدية المتزمتة والحداثة لأن الواقع والطبيعـة والسيادة والحقيقة كلها مهددة وثمة حاجة بعد الفوضى التي أحدثتــها هـذه التغيرات لنمط ما من التوجيه، والتوجيه هنا لا ينطوي على التقليد بطبيعته بـل توجيه يوجد توازنـا جديدا بين المحلي والعالمي وبين الطبيعة والتقنية.

 

لقد خلقت هذه التغيرات عالمـا ما بعد حداثي، وإذا كانت مـا بعد الحداثـة قد دمرت أساس ما هو واقعي، فإنها فتحت للعالـم واقعــا جديدا، ويمكــن أن يقدم إسلام مفسر من جديد بشكل جدير بعقائده الأصلية ذلــك النمــوذج الإرشادي، والأمة الإسلامية هي التي يمكن أن تسمح بفتح باب النقـاش للتحـرر من الرغبة في الثأر والبحث من مستويات متعـددة للواقـع فنحيـا في عالــم الحضارات بطرق متعددة للمعرفة وأشكال متعددة للمعرفة (وميادين جديــدة بشكل جديد). وقد يكون عالمـا بشكل درامي ولكنه بخلاف الحـاضر عالم مألوف.

 

المستقبلات الإسلامية البديلة:

 

ولكن هل ثمة ما يمكن قوله عن هذا العالم غير المألوف؟ فعلى حين أن ثمـة قدرا عظيما من الفكر في العالم الغربي فإن التفكير المستقبلي في العالم الإسـلامي – باستثناء أعمال سردار والكتابات الأخرى في مجلات الدراسات المسـتقبلية – ضئيل جدا.

 

الخلاصة العامة التي توصل إليها سردار60 أن المسـلمين ضلـوا طريقهـم وفقدوا قدرتهم على الاشتغال بالاجتهاد وأصبحوا إما متأثرين كليـة بـالتغريب وأما في الحالة رد فعل على هذا. إن الإسلام في حاجة لإعادة تشكيل نفسه على أساس رسالة النبي الأصلية. ويقدم الإسلام – برأي سردار – الاتجاه والتوجيـه والنموذج المعرفي الإرشادي وطريقة التفكير ومقاربة المستقبل بانفتاح نقــدي، فهو دعوة للفكر وللمستقبل وهذا ما يجب غرسه في الأذهان.

 

يمكن تقسيم عم لسردار إلى ثلاث مقــولات : الأولى معنيـة بمسـتقبل الحضارة الإسلامية نفسها. والأسئلة الموجهة لسردار هي: ما الاتجاهات الجاريـة التي تشكل المستقبلات الإسلامية؟ وماذا يمكن أن يقدم الإسلام للحضــارات الأخرى ولا يجب النظر إلى بناء الحضارة الإســلامية بنظـرة النمـاذج العظيمة التبسيطية فيجري التنبؤ بعدد المسلمين الملــتزمين بالإسلام أو غـير الملتزمين، بل التساؤل ما كيفيات وطرائق رؤية المسلمين لأنفسهم وللمســتقبل من خلال رسالة النبي، وما إذا كانوا يسـتخدمون رسالة الله لــدى تفسـيرها بشكل عقلاني لكل عصر أم يستخدمون مواقع للمعرفة غريبة عن تاريخهم هـو ما سيحدد مستقبل الإسلام كما حاجج سردار.

 

المقولة الثانية مهتمة بالعلم الإسلامي ويحاجج سردار بأن العلم الغربي عنيف في مواجهة الذات والمجتمع والمعرفة نفسها، وما نحتاجه هو علم إسلام كلـي أو ووحدة الفكر والقيم والأفكار ومدخل كلـي لدراسـة الطبيعـة والملائمـة الاجتماعية للمحاولات العلمية والفكرية وسيتم في هذا الإطار تجنب التشـظي وافتقاد المعنى ونزعة الاختزال اللامتناهي وادعاء قوة أشبه بقوى إلهية واحتكـار الحقيقة وتهميش وقمع الأشكال الأخرى من المعرفة”61 بحيث يســتخدم علـم إسلامي النموذج المعرفي الإرشادي كإطار ليسأل أنواعـا مختلفة الأسئلة (عـن الفقر والاستضعاف ونقص التعليم في البلاد الإسلامية)، وأيضـا لتأطير أسـئلة خارج مشروع العلم والتقنية ودور التنمية العربية. وبحيث يستجيب هذا العلـم الإسلامي لدعوة القرآن للعلم فيسعى إلى المعرفة لتحليل المعاناة الإنسانية ويرفع المرأة والرجل إلى حالة من السمو وليس تركيز البحث على مشـاكل ضئيلــة الجدوى للدول الإسلامية. فهو علم إسلامي له منهجية ذاتيـة موضوعيــة (أي تقوم على رؤية للعالم ليست خالية من القيم كالعالم الغربي)، ويحول البحث إلى القضايا التي تهم المسلمين. وهكذا فإن ما نحتاجه علم إسلامي ونموذج معـرفي إرشادي يتسم بالكلية وتعدد العقول المعرفية ويلتزم بالنمو والتوزيـع والقيـم والأخلاقيات الأساسية. والالتزام بالقيم مهم جدا في وقت يتحرك فيه الغـرب صوب نزعة النسبية التي بعد الحداثية.

 

مقولة سردار الثالثة هي مواجهة ما بعد الحداثة بالإسلام. وأفضل من مثـل لهذا الالتقاء ميريل واين دافيز في كتابه “الخيال المشوة”62. ويتسـاءل سردار مـا إذا كانت ما بعد الحداثة ستحول فعلا الوضع الحديث وسيطرة الغرب أم أنهــا مجرد استمرار لتخيل الغرب المشوه للحضارات الأخرى. وعلى حـين يبـهر الكلام عن نظام المعلومات وتضمينات ثورة العلــم والتكنولوجيـا المثقفيـن العلمانيين، فإن الغالبية في الأقطار الإسلامية ليست في موضـع يسـمح لهـا بالمفاضلة والنقد، فلا زال عليها الحصول على الحاجات الأساســية كالطعـام والمأوى وحقوق الإنسان الأساسية. وعلى الباحثين المسلمين كمــا قـاوموا الحداثة أن يقاوموا ما بعد الحداثة، فيجب أن يسألوا مـن سيكســب وكيـف ستؤثر التقنيات الجديدة والقناعات الجديدة على العالم الإسلامي، ولا يعـني هـذا أن على الحضارة الإسلامية أن تبقى في الماضي بل بالأحرى أن تتم إعادة تفسير الماضي لصنع مستقبلات تختلف عن المستقبلات التي بعد الحداثة، فيرى سـردار أن الاعتقاد بأن المسلمين يستطيعون وسيعيدون تفسير الإسلام بشكل عقـلاني للعصور الحالية والمقبلة هو أمل المستقبل.

 

وإضافة لجهود إبداع رؤية إسلامية معينة للمستقبل بدأ سردار وغـيره في رسم مدى من المستقبلات الممكنة وسنبحث ثلاثة من هذه الشاهد المستقبلية.

 

الأمة كجماعة تفسيرية:

 

حاجج أنور إبراهيم63 في مقالة متميزة له في عــدد خـاص مـن مجلـة “المستقبلات” عن الإسلام والمستقبل بأننا نحتاج لتجاوز التفكير بمصطلحــات العالم الأول والثاني والثالث وأن نبدأ التفكير في المستقبل بمصطلحــات الأمة الإسلامية وأوضح أنور بجلاء ما يعنيه:

 

1- الأمة مفهوم حركي يعيد تفسير الماضي ويواجه التحديات الجديدة.

 

2- على الأمة مواجهة المشكلات العالمية كالمشكلة البيئية فالأمة كجماعة مطلوب منها الاعتراف بالمسؤولية المعنوية والعملية عن الأرض كأمانـة، وأن أعضاءها مؤتمنون مسئولون عن وضع الأرض ويجعل ذلك الاهتمامات البيئيـة عنصرا حيويـا في التفكير وعلمنا، وهذا ميدان أولى يجب فيـه أن نشــتغل بشكل فعال بتغيير الأمور64.

 

3- يجب النظر إلى الأمة على أنها أداة نقدية كعملية الاستدلال نفسها.

 

4- العدالة والمساواة مبادئ ومتطلبات أولية للأمة ويعني هـذا الالتزام باستئصال الفقر وتجاوز مناظرة التنمية، لأن هذا الإطار يؤطر القضية في لغة لا نقدية ولا سياسية ويعني البدء في ذلك إعادة التفكير في التجاوز وتنمية التجـارة بين الشمال والجنوب، وكذلك “أدوات جديدة للمحاسـبة الماليــة والتعـامل وتمويل بنية أساسية جديدة للطرق والنقل65.

 

5- الالتزام بتوفير المعرفة بالقراءة والكتابة للجميع، فكما كتب أنور إبراهيم “يمكن بالوصول لتعليم مناسب أن يأخذ وعي الأمة مكانه اللائق ويجعـل أمة الغد ممكنة كتجسيد للأخلاقيات الإسلامية الأصلية الثرية بالفكـر النقــدي البناء والخلاق”66.

 

وهكذا فإن ما يدعو إليه ليس الحداثة بل لترعة تقليدية نقديـة ومنفتحـة تستخدم الماضي التاريخي لصنع مستقبل مشرق، ولا يجب أن يصبـح مفـهوم الأمة مفهومـا استعماريـا بل مفهومـا يتطلب أن يعمـل المسـلمون مـع الحضارات الأخرى في حوار لإيجاد توافق على المبادئ (وأن يكونوا مسـتعدين للدفاع عن هذه المبادئ وليس كما حدث في البوسنة). إننا نحتاج لاســتعادة حقيقة للأمة التي عرفت تاريخيـا نماذج لمجتمعات تعددية متعــددة الأعـراق والثقافات والأديان67 والأمة الحقيقية تحترم حقوق غير المسـلمين كمـا فعلــت دولة المدينة.

 

مستقبل بلا اسم:

 

في العدد نفسه من المجلة “المستقبلات” أخذنا “جالزار هايدر” إلى مسـتقبل إسلامي بلا اسم68 فاكتشف في محاولته لتخيل مثـل هـذه الأمة أنه لا يســتطيع ذلك. فبعد استغراقه في النوم يصحو عام 2020 ليرى رجـالا كثيرين يتحدثـون مع بعضهم بعضـا ولكن كلا منهم يستشـهد بتعليمات وإرشادات ســادته، وبرغم أنهم يقدمون بعضهم بعضا على أنهم إخوة فإنهم في إحباط باد69.

 

ويخلص إلى الرؤية التالية “رأيت مشهدا المستقبلات المسلمين التي تبدو مدينة مفتتة ومحدودة ومقيدة من الخيام المنفصلة، البعض أحياء ومتيقظـون إلا أنهـم منبوذون خارج المدينة ومستمرون في بحثهم عن المدينة ومـن ثم في القراءة والكتابة والحديث بلا خوف إلا من الله تعالى ونبيه إلا أنه لا أسم لأي منهم70.

 

وإن أحد المستقبلات المحتملة، حسب معطيات الاتجاهــات الجيوسياسـية الحالية، تفكك الإسلام داخليا وخارجيـا. داخليـا نظـرا للضغوط الخارجية وأيضـا بالتصارع المذهبي والانقسامات السنية الشيعية والنمـاذج المختلفة لمـا يعنيه كون المرء مسلمـا أن العديد من هذه المعارك قضايا ثأر مـن التـاريخ البغيض بدلا من تخيل المستقبلات المرغوبة.وتطرح القوى الخارجية من قبيـل التغيرات في التقنية والعولمة والسياسة العالمية تساؤلا حول ما إذا كان المسـلمون يستطيعون الارتفاع إلى مستوى التحديات التي يفرضها عالم في حالة تحول.

 

سيستمر الإسلام بالطبع ولكن هل سيكون ثمة مسلمون أهل لهذا الوصف وحتى لو تملك المرء الرعب لهذا المستقبل فإن هذا المشهد المستقبلي يبقى سـؤالا من نوعية أسئلة ماذا لو … مهم فهو يدفع التفكير النقدي في الذات والجماعة ويدعو لعمل ملموس بامتداد الأمة .

 

الإسلام كاختلاف:

 

إذن يمكن أن يصبح الإسلام – بشكل عكسي – من خلال الفعل الإنساني هو الاختلاف في العلم و السياسة العلميين .وكم كتب سردار فإن الإسـلام لا يمكن إغفاله ” فسواء جرى النظر إليه كقوة للتحرر أو كخطوة سلطوية للتقهقر نحو العصور الوسطى فإن الإسلام لا يمكن تجاهله “71 فالإســلام بالنسبة إلى سردار هو الاختلاف الذي سيضع القرن القادم. وقد حاجج جـالتونج علـى سبيل المثال أن بين الإسلام والغرب علاقة توسع / انكماش، فحيث ينكمـش أحدهما يتمدد الآخر.72 وعلى حين يفقد الغرب قدرته على الحفـاظ علـى التوسع المفرط واستغلال الطبيعة والآخر فسيأتي إما ليجعل المشروع مسـتمرا (كما فعلت اليابان ) وإما ليحوله .

 

وكما كتب سردار كان من السهل في بداية القــرن العشـرين شـطب الإسلامي – المستعمر و المهزوم و الراكد – من التاريخ و من المستقبل و لكن مع بزوغ القرن الحادي والعشـرين فإن الإسلام الناهض الواثق ” الأصولي ” المنـاضل مفعم بالحياة 73.

 

ولكن أي إسلام ؟ سيصبح هذا الأمر مهمة الناشطين والمفكرين المشـتغلين بالعالم الإسلامي والمستقبلات الإسلامية : أن يتخيلوا ويصيغوا إسلامـا يصنـع المستقبل ولا ينوء بعبء التقدم في تقنيات الموروثـات و المعلومات والعولمة إسلامـا يجب أن ينشغل في ثورة العلم و التقنية العالمية و لكن في إطـار القيـم و المصطلحات الإسلامية للعلم الإسلامي.

 

في أوقات تحول الحضارة هذه حيث الفوضى حالة بشكل غير مسبوق ثمـة قطب جاذب واحد يؤدي إلى حالة عالية التعقيد هو حس الاتجاه و الأخلاقيات العميقة و حسن الهدف الداخلي.

 

إذا استطاع الإسلام تقديم ذلك ستصبح أمة المستقبل ناشطة بالحياة.

 

ملحق:

 

توصيات

 

1- يجب أن تتضمن جهود المستقبل أبعاد تخطيط استراتيجي و توجـهات مستقبلية أبعد تتسم بطابع الرؤية، ويجب استخدام مناهج كمية (بما يفضي إلى الدقة) وكيفية (بما يفضي إلى الرؤية).

 

2- يجب أن يستكشف المسلمون المستقبلات البديلة ناظرين للواقع علـى أنه منشأ اجتماعيـا ومع ذلك يجب أن يختار الملمون مسـتقبلا معينـا ثم تطوير خطط لتحقيقه.

 

3- يجب على المسلمين تطوير نماذج محاكاة بالحاسب الآلي ناجمـة عـن النموذج المعرفي الإرشادي الإسلامي و تعكس الاهتمامات الإسلامية.

 

4- تحتاج الأمة إلى الانشغال بنطاق واسع من الأنشطة المستقبلية المحتملـة و الأقرب للوقوع و المرغوبة و الممكنة أو بعبارة أخرى التنبؤية والاختباريـة والنقدية وذلك من خلال مؤسسات مثل منظمة المؤتمر الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية.

 

5- يجب أن يدير المسلمون بحوثـا عن الأبعـاد الزمنية في الحضـارة للإسلامية (على مستويات متنوعة : على المستوى الفردي و القومي و مستوى الجماعة و المجتمع العالمي ) والقيام بمسـوح لتوقعات المستقبل و الرغبات و الاحتياجات و مقارنتها بمشاريع المسوح الأخرى مثل “البشرية عام ألفين “.

 

6- يجب أن تتضمن جهود تخيل المستقبل و التنبؤ به إثارة القضايا البازغة سواء لمعرفة كيف تخلق أنماط التفكير التقليدي أو معرفة نفعها في التنبؤ.

 

المصدر:

استشراف مستقبل الأمة، أ. د. سهيل عناية الله، مجلة إسلامية المعرفة، السنة الخامسة، العدد 17، صيف 1420هـ/1999م، ص 43-88.

 

الدراسة بصيغة بي دي إف

 

موقع الأستاذ الدكتور سهيل عناية الله:
http://www.metafuture.org

 

الأستاذ الدكتور سهيل عناية الله عالم مستقبليات، وعالم سياسة في مركز الاتصالات بجامعة ويتر لاند للتقنية في برسبان باستراليا وأحد أعضاء هيئة تحرير بريودكا إسلاميكا (الدورية الإسلامية)، وعضو هيئة اتحاد دراسة مستقبلات العالم. وهو أيضا صاحب أسلوب “تحليل التدرج السببي” (Causal Layered Analysis) وأسلوب “مثلث المستقبَلات” (Futures Triangle).

 

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن