الحكومة الاردنية واستشراف المستقبل | د. موفق العجلوني

2020-04-11 00:03

تعيش منطقة الشرق الاوسط حالة من القلق والمتغيِّرات المتلاحقة والظروف المعقدة امنياً واقتصادياً واجتماعياً، مع غياب افق أي استقرار في المنطقة وخاصة ان الأردن يعيش في ثم العاصفة ومحاط بتحديات امنية واقتصادية وبيئية، الأمر الذي يتطلب استشراف المستقبل في المجالات السياسية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعلمية والأمنية، فضلاً عن التسارع في التقنيات التكنولوجية والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، والتراكم الكمي والنوعي الهائل من المعرفة، لان استشراف المستقبل يزود الحكومات والمؤسسات بمعلومات وإفادات رافده راجعة لتشكيل المستقبل واتخاذ القرارات المناسبة وتَغْيير الاستراتيجيات الحالية في ظل مُخرَجات عملية استشرافية جديدة، لان عملية استشراف المستقبل هي أحد المقومات الرئيسة في نجاح المجتمعات بشكل عام والمؤسسات بشكل خاص، وتجنب الوقوع في مطبات او أزمات اقتصادية او غيرها.

 

والسؤال المهم و الذى يطرح هذه الأيام و على كافة المستويات الشعبية والبرلمانية وحتى الرسمية، هل يعقل بأي حال من الأحوال كيف تمر اتفاقية الغاز الفلسطيني المنهوب اسرائيلياً بكل معطياتها واسرارها على ثلاث حكومات دون ان يكون لدى هذه الحكومات مجرد عملية استشراف المستقبل، الا اذا كان المستقبل لا يهمنا في الأردن، وكلما جاءت حكومة “غازلت” سابقتها، بحيث كل حكومة تبني كما تشاء بمعزل عن ما قد استشرفته الحكومة السابقة – اذا كان لديها استشراف للمستقبل – باستثناء استشراف تزايد عبء الدين العام وزيادة عجز الموازنة.

 

وبالتالي لا بد من الجهات التي قامت بالتوقيع على اتفاقية الغاز –وأعتقد ان الجهة التي وقعت على الاتفاقية بشروطها التي لا يقبلها عاقل- عليها ان تخرج للعيان وتصارح الشارع الأردني، انها قبل ان توقع على الاتفاقية، استشرفت مستقبل الأردن ومستقبل الطاقة والتحديات الداخلية والتحديات والضغوط والخارجية، ووجدت ان مستقبل الاردن سيكون في خطر في حال لم توقع على الاتفاقية. وكفي الله الأردنيين شر طرح الأسئلة التي ليس لها اجابات ومضيعة الوقت بالحراك والمسيرات هنا وهنا واشغال وسائل الصحافة والاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بموضوع اتفاقية الغاز. وبالتالي علينا الان وعلى الحكومة ان تستشرف المستقبل من خلال جلسة مصارحة استشرافية، وخاصة نحن على أبواب ٢٠٢٠ ونتطلع الى ٢٠٣٠ اسوة بالدول الشقيقة والصديقة. ولكن كيف، وما هو مفهوم التخطيط الاستراتيجي النموذجي للأردن وكيفية مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

 

مفهوم التخطيط الاستراتيجي حسب بعض الدراسات والأبحاث هو عبارة عن تخطيط بعيد المدى، ويأخذ بعين الاعتبار جميع المتغيّرات الداخليّة والخارجية، ويقوم بتحديد جميع الشرائح والقطاعات المستهدفة. بنفس الوقت يقوم التخطيط الاستراتيجي بالإجابة على ما يطرحه كل مواطن أردني وكل مسؤول “لوين رايحين؟” إلى أين نحن ماضون!!! آخذين بعين الاعتبار الرؤية المستقبليّة للأردن والتحديات الداخلية والخارجية وخاصة الظروف السياسية والأمنية التي تحيط بالأردن، ويعتبر هذا التخطيط واحداً من المكوّنات الأساسيّة لأي ادارةِ استراتيجيّة لاي حكومة او مؤسسة كانت عامة او خاصة.

 

ومن ميزات التخطيط الاستراتيجي، فأنه يعمل على توضيح الأهداف العامة للحكومة، والذي ينتج عنه انبثاق الخطط العديدة في مجال العمل والإدارة والتي تكوّن الهدف العام الذي يقوم بحكم جميع القرارات الناتجة، كما يوحد التخطيط الاستراتيجي هدف المسؤولين لتحقيق الأهداف المراد تحقيقها.

 

فاستشراف المستقبل حسب ما تشير الية الدراسات والأبحاث الاستراتيجية، هو عبارة عن مهارة استراتيجية وعملية تنطوي على استقراء التوجهات العامة في حياة المجتمع، وهي تُؤثِّر بطريقة إيجابية في مسارات الأفراد والمجتمعات. واستشراف المستقبل حقيقة لا يَهْدف إلى التَكَهُّن بتفاصيل أحداث المستقبل للأفراد أو للمجتمع، وإنما يهدف إلى رسم نَهْجٍ استباقي “غير مسبوق” واعتماد سيناريوهات يُمكن تحويلها إلى واقع ملموس يرتقي بالعمل المؤسسي على أُسُسٍ ومعايير مبتكرة، لتحقيق أعلى معدلات رضا المجتمع بمختلف مؤسساته، وتحديد الخطط بعيدة المدى، وتخيُّل مستقبل مرغوب فيه، واقتراح استراتيجيات تحقِّق الأهداف، ووضع التدابير الواجب اتخاذها بعين الاعتبار، وكذلك تصحيح الانحرافات إن حدثت “وما أكثر حدوثها”.

 

وبالتالي الاستشراف بحد ذاته وسيلة لتشكيل المستقبل، وأسلوب منهجي وتشاركي لتطوير استراتيجيات وسياسات فعَّالة من أجل المستقبل واتِّخاذ القرارات ووضعها موضع التنفيذ من خلال محاولات منهجية للنظر في مستقبل العلوم والتكنولوجيا والمجتمع والاقتصاد وتفاعل هذه المعطيات جميعها، في سبيل تعزيز المجالات الاقتصادية والبيئية، واستباق المتغيرات والتأهب للاحتمالات وما تنطوي عليه من تطوُّرات، لأن الحكومات غير المستعدة لاستشراف المستقبل لن تكون حكومات ريادية وستبقى تعاني من أزمات، ويكون مصيرها الفشل او الإفلاس، او تراكم المديونية الخارجية وزيادة العجز في موازناتها.

 

وكنت أتمنى في التعديل الأخير على مسميات بعض الوزارات تسمية وزارة التخطيط والتعاون الدولي بوزارة التخطيط واستشراف المستقبل.

 

المصدر

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن