القرآن ينطق كله بلغة الغد لأنه يعدّك لكي تنجز الغد | حوار قصير مع د. محمد بريش

2020-03-07 21:15
الكاتب :
  • نريد أن نتكلم عن تمهيد لحضور صناعة المستقبل في القرآن الكريم كمدخل للحديث عن الدراسات المستقبلية.

 

أولا الدراسات المستقبلية هي مرتبطة ارتباطا كبيرا جدا بمن لديه مشروع يريد أن ينجزه، فالذي لا مشروع له لا يمكن أن يستفيد من الدراسات المستقبلية. فاهتمام الإنسان بالمستقبل شئ طبيعي فطري، لأن الماضي شئ ولى ليس هناك من سبيل للتأثير فيه إلا من خلال ما يمكن أن يستفيد منه الإنسان لغده، والحاضر شيء قائم يحتاج إلى تغيير وتوجيه. وما من مجال للعمل إلا في ذلك الغد، لكن العمل فيه يحتاج إلى الاستفادة من الماضي والوعي بالحاضر.

 

فتقسيم الزمن إلى ثلاثة أصناف هو تقسيم نسبي أو تقريبي للإنسان، هناك حركة للإنسان عبر الزمن. فما ولّى يعتبر ماضياً والقادم أمامه يعتبر فعلا مقبلا، ولهذا يدعى بالمستقبل، حتى الكلمة تحتاج إلى إعادة تشكيل، وحتى الحاضر يتميز بحركيته ولهذا أنا أكثر من لفظ استحدثته لكي أستطيع أن أجد مصطلحا يعبر عن الحاضر بحركيته وهو المستقبل المشهود، ذلك أنه إذا أردت أن تعمل شيئا في الغد لا تستطيع أن تحصد ما زرعت إلا بعد فوات مرحلة الزرع، وإبان مرحلة الزرع الذي يكون عندك حصاداً هو ما سبق أن قمت به أو قام به غيرك. إذن هناك فترة بين تجلي ما زرعته في الحاضر والغد القائم وبين تلك اللحظة التي تقوم أنت فيها بالزرع وتسمى مستقبلا مشهودا الذي هو جزء من الحاضر، يعني حينما يعمد الإنسان إلى تغيير في حركة سيره، أو أمة تريد أن تقوم بمشروع جديد تحتاج إلى وقت لكي تنخرط في ذلك المشروع وتراه مجسدا، الحد الفاصل بين بداية انتشار ما قامت به وبين ماكان في العهد السابق قبل لحظة التغيير، لأنه ما كان في العهد السابق تبقى بعض آثاره تتجلى إلى أن تندثر، تلك الفترة بين اندثارها وبين البداية في تغيير وجهتها، هي تلك المسافة التي يتطلبها المنعرج، هي جزء من الحاضر المتحرك يعتبر مستقبلا مشهودا. فالاهتمام بالدراسات المستقبلية -إذا رجعنا إلى تراثنا الإسلامي- نجده حاضرا إبان العزة وإبان نهوض الأمة.

 

في القرآن الكريم عندنا {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون}. هذه الآيات من سورة الحشر واضحة جلية بالدعوة للعمل للغد. قد يحتج علينا ويقال إن الغد هنا أمارات الغد الأخروي حين تكون النفس ماثلة أمام الله عز وجل {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا}. نعم لا خلاف في أن المراد هو الغد الأخروي، لكنه كنتيجة وحصيلة، هذه الحصيلة/ العمل لها متى يكون؟ هل يكون في اليوم الآخر؟! هذا الإعداد يكون في الغد المتاح، نعم أنت في الحصيلة والنتيجة والمآل ما تريده هو ذلك الغد أمام الله عز وجل. لكن هذا الغد يصاغ ويصنع ويعد له ويهيأ ويبنى فيما هو متاح للغد الدنيوي. وهذه الكلمات ينبغي فهمها بدلالاتها الموسعة {ولتنظر نفس ماقدمت لغد}.

 

هذا البصر الحديد والنظر الثاقب والذي يحتاج إلى معرفة دائرة المستطاع. ففي الفاتحة تجدك ذاتك في مخاطبتك لله عز وجل يوميا ومرات متعددة تطلب منه عز وجل أن يهديك الصراط المستقيم {صراط الذين أنعمت عليهم} مستوعبا للتاريخ مستوعبا للماضي، يعرف أن قرونا قد ضلت وأن مزالق موجودة أدت بجماعات كثيرة إلى أن ضلت فأوصلتهم إلى ذلك الغد المنشود. {غير المغضوب عليهم} الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التوبة والرجوع إلى الحق. {ولا الضالين} الذين لم يتوبوا. فالقرآن كله ينطق بلغة الغد لأنه يُعدّك لكي تنجز غدك. ما من آية آية إلا وتنطق بذلك، وتهيء المرء لكي يكون كذلك.

 

في الحديث النبوي نفس الشيء، تجد الدعوة لصناعة الغد والاهتمام به، يعني حتى نظرتنا إلى الأحاديث التي أدرجها المحدثون بما يسمى أحاديث الفتن فيما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ”يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها” هذا مشهد مستقبلي، ليس المراد منه أن نبرر به صدق النبي صلى الله عليه وسلم بأنه آتاه الله علما وفهما وإدراكا لما سمح له من الغيب، يعني أنه هو الصادق الأمين. حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم يوشك أن تداعى عليكم الأمم يعني إياكم أن تصلوا إلى مرتبة تتداعى عليكم الأمم. أما أن تجلس قابعا إلى أن يأتي ذلك، فالآيات كثيرة تدل على ذلك {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} هذه كلها آيات تدل دلالة قطعية على سنن ثابتة هي من حيث تجليها قطعية، لكن ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أن الله عز وجل قد أرسى سننا أخرى {ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا} {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون}. هذه السنن الثابتة حينما لا يستجيب الإنسان لشروطها، حين يقوم الإنسان باقتلاع المعقبات التي تحفظه من أمر الله والواضحة في سورة الرعد والتي تجلي عظمة الله عز وجل حيث أنه كل متخوف من غد حينما يقرؤها يلاحظ أن صناعة الغد صناعة ربانية ولها سننها ينبغي للإنسان أن يعرفها ويستجيب لشروطها.

 

حينما يقرأ: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار}، كل شيء يخضع لسنة في الصنعة في التدبير في التقدير والحركة {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، له معقبات من بين يديه ومن خلفه} لكن إذا قام بإبطال فعل هذه المعقبات بتخليه عن الاستجابة لشروط بقائها وثبوت فعلها تزول تلك المعقبات. {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} فإذا وقع التغيير من النفس فتقاعست عن أن تستجيب لشروط بقاء تلك المعقبات يقع التغيير فعلا وتزول ويصبح الإنسان يخضع في قدر الله لأمر آخر فلا يمكن للإنسان أن يعتذر بالقدر على أنه لا يستطيع أن ينجز شيئا، الله سبحانه وتعالى قد بث في هذا الأمر والغد بيده، ولكن كما قال ابن القيم رحمه الله: نحن ندافع القدر بالقدر، يعني أنت حينما تسعى لمستقبل ما فهو بقدر الله، ينبغي أن تسأل الله عز وجل أن يساعدك على تمطي أخْيَرها.

 

حينما نذكر مثل هذه الأحاديث وأنا ذكرت حديثا واحدا “يوشك أن تداعى عليكم الأمم” إذا وصلتم إلى هذه المرحلة وأصبحتم كثرة لا تفيد وكثرة ينعدم فيها أهل الإيمان فأنتم ستسري عليكم السنن، وسيتداعى عليكم الآخرون. المسلمون لم ينصروا بكثرة أبدا {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ولم تُغنِ عنكم شيئاً}، وكذلك الملأ من بني إسرائيل الذين خضعوا للامتحانات وفي الامتحان الأخير عجز منهم من يواجه جالوت :{فلما جاوز هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله}. إذن القراءة المستقبلية للقرآن الكريم والسنة النبوية الدروس منها كثيرة جدا. ولهذا حتى الفقهاء استخلصوا ما يمكن تسميته باعتبار المآل وإن كانوا قد بسطوا فيه في مجال سد الذرائع ولكنه مجال كبير جدا. فالأمة حينما تدرك ما معنى صياغة الغد تعمل لكي تصوغ إلى ذلك.

 

المصدر

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن