حرب غزة وعالم لم يولد بعد | محمد العربي

حرب غزة وعالم لم يولد بعد | محمد العربي

2024-06-22 10:32 ص
الكاتب :

حرب غزة وعالم لم يولد بعد | محمد العربي*

 

تلخص حرب غزة أزمة العالم؛ إذ يبدو عاجزاً عن إيقاف حلقة مأساوية من الصراع المستمر منذ قرن على فلسطين. أظهرت الحرب والجدل الدولي الدائر حولها على مستويات مختلفة، عمق الاختلالات التي يعاني منها النظام الدولي بقيادته الغربية. حتى الآن، ومع مرور ستة أشهر على الحرب، لا تبدو أشكال الحوكمة الدولية المختلفة المختلفة قادرة على التدخل الفعال لإنهاء تدمير قطاع غزة، وإنقاذ سكانه المعرضين للتهجير والتجويع والقتل. فضلاً عن منع الولايات المتحدة أية قرارات توقف العدوان الإسرائيلي في مجلس الأمن. ولا تبدو القوى الدولية المناهضة للقيادة الغربية، وعلى رأسها الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي، قادرة على توظيف الأطر الدولية القائمة لموازنة التصلب الأمريكي. وحتى محاولات الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى المعنية بإنهاء الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية لأهل القطاع المحاصر، أصبحت معرضة بفعل القوة الإسرائيلية للفشل في تجنيب القطاع خطر المجاعة.

 

علـى مسـتـوى آخــر، ربما سـتكون حرب غزة الحلقـة الأخيرة في تآكل الأسـاطير المؤسسـة للنظام الـدولي اللـيبرالي القائـم على إقرار حـق الشـعوب في تقرير المصيـر، وحقـوق الإنسـان، والاحتكام إلى القواعـد والأعـراف الدوليـة والقانون الـدولي. لقد بدا هـذا التآكل واضحـاً مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية؛ إذ أخـذت القـوى الغربيـة في توظيـف هـذه القيم لعزل روسـيا، ليـس باعتبارهـا طرفاً خـرق القانـون الـدولي، بـل كخصـم جيوسـياسي، فيمـا تمتعت هـذه القـوى سـابقاً بحرية في التدخـل في شـؤون الـدول الأخـرى ذات السـيادة وغزوهـا. وقـد كان الشرق الأوسط منـذ الغـزو منـذ الغـزو الأمريكـي للعـراق في 2003، السـاحة الأوسـع لتدهور قيم النظـام الليبرالي على يد الـدول التي تحاول الإبقـاء عليـه، طـالما يخـدم مصالحها. كشـفت حرب غـزة عـن التناقض العميـق في القيم المؤسسـة لهـذا النظـام؛ إذ كان مـن المسـتحيل تأكيـد عالمية هـذه القيم في ظـل اختلال ميـزان القـوة الدولية، واستمرار الإرث الاستعماري بكل ما يعبر عنه من تميـيز بني الـشعوب، والثقافات.

 

تتضافـر أزمـة غزة مع التحـولات الكبرى التي يمـر بها العالـم، ونطلق عليهـا ”اتجاهات كبرى“، إلا أنهـا تظهـر أيضـاً مدى فداحـة التكلفـة البشرية لهـذه التحـولات. وكيـف يمكن لغطرسـة القوة العسـكرية والتقنيـة أن تـؤدي إلى دمـار هائـل لحيـاة البشر، ما لـم تكـن مرتبطة بغايات سياسـية وإنـسانية حقيقية.

 

كمـا أنها تكشـف عن مدى هشاشـة النظام القائـم. فعلى الرغم مـن عدم تدهور الأمـور في الشرق الأوسـط إلى حالـة الحرب الشـاملة، أو حرب الجميع ضـد الجميع، ربما بفضـل إدراك معظم الأطراف مـدى خطـورة الإخلال بميـزان القـوة القائـم، فإنـه سرعـان مـا اتضح مـدى إمكانيـة امتـداد آثار الحـرب إلى مناطـق أبعد من سـاحة القتـال، بداية مـن البحر الأحمر؛ وصـولاً  إلى تعميق الاسـتقطاب داخـل المجتمعـات الغربيـة. وفي هذا تكمـن المعضلة؛ فبقـدر ما يتجه العالـم نحو الانقسـام، وتراجع العولمـة الليبراليـة؛ بقـدر مـا تكشـف الأزمـات والحـروب عن مـدى ترابـط النظـام العالـمي، وقدرة الأزمة الواحدة على أن يـكون لها صدى وارتدادات في مختلف ربوع العالم.

 

لا أحـد يعلـم كيف سـتنتهي الحرب، إلا أنها تكشـف عن الحاجـة الماسـة إلى إصلاح النظام الدولي وآلياتـه، فـضلاً عـن الضرورة الملحة لإعادة بنـاء النظام الإقليمي في الشرق الأوسـط على أسـاس إزالة كافة أشـكال الاحـتلال، والاسـتيطان، والتهديد باسـتخدام القوة في حـل النزاعات. لقد مـرت المنطقة منـذ اندماجهـا في نظام مـا بعد الحرب البـاردة بانتفاضـات وثورات وحـروب أهلية، وحـرب ممتدة على الإرهـاب. وبين كل هـذه التحـولات، كانـت هناك مخـاوف من التصعيـد وآمال بالتقـارب، ودائما مـا كانـت القضية الفلسـطينية عامل اضطراب مسـتمر؛ يتقـدم ويتراجع حسـب الترتيبـات الدولية.
أمـا الآن، فإن تجاوزها لن يفضي إلا إلى المزيد من الفوضى في المنطقة.

 

إن أي تصـور عـن مسـتقبل المنطقة يجـب أن يبدأ، كمـا أكدت القـوى العربية الفاعلـة، بضرورة أن يكـون إنهـاء الحـرب في غـزة أساسـاً لحل دائم ومسـتدام للـصراع في بقية فلسـطين. ولـن يتأتى حـل النـزاع في فلسـطين إلا بتغـيير عميـق في آليات وقيـم النظام الـدولي، ونفـض الغبار عـن العالم الـذي لم يولـد بـعد، وقد تـكون غـزة بدايــة الطريـق إليه.

 

*باحث ماجستير بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة – الجامعة الأمريكية بالقاهرة

 

المصدر

 

0 0 vote
Article Rating

اترك تعليقاً

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments