سلسلة استشرف معي المستقبل (5) مستقبل الكتاب وعاء العلم والثقافة | أ. د. سعود الزهراني

2019-12-13 03:00

ظل الكتاب لعصور طويلة هو الوعاء الأساسي للعلم والثقافة وقد كان الكتبة والعلماء يعمدون إلى خط الكتاب ونسخه لتعميم فوائده للمتعلمين وطالبي الثقافة الإنسانية، وقد ازدهرت العناية بالكتاب بعد أن تطورت الكتابة لتصبح هي وسيلة النقل والتفاهم الحضاري بعد أن كانت عبارة عن رسوم ونقوش لتتخذ شكلا آخر من الرموز الحرفية بحسب اللغات المتوارثة والتي دونت بها العلوم والثقافات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها.

 

وقديما كان الكتاب عبارة عن مجموعة ألواح فخارية أو عبارة عن درج من ورق البردي، فأما (الكتاب الفخاري) فقد عرفه السومريون والبابليون قبل أكثر من أربعة آلاف سنة, وأما (الكتاب الدرجي) فقد عرفه المصريون في الفترة نفسها تقريبا ،والواقع أن المصريين صنعوا من سوق قصب البردي أدراجا طويلة جدا، ولما كان البردي أخف وزنا وأكثر ملاءمة للكتابة من الفخار فقد أخذت مصر تصدره الى مختلف بلدان الشرق الأدنى، وقد اقتبس الإغريق عن المصريين (الكتاب الدرجي) وعن الإغريق اقتبسه الرومان بدورهم، وقد حل الرق حوالي العام 400 للميلاد محل البردي وكان يعد من جلود الحيوانات, واتخذ الكتاب شكله الحاضر ذا الصفحات المطوية المضموم بعضها إلى بعض، وفي القرن الثامن للميلاد استخدم العرب الورق الذي ابتكره الصينيون في القرن الثاني للميلاد بدلا من الرق (الجلود) بعد فتح مدينة سمرقند حيث أسسوا مصنعا لصناعة الورق عام 751م، وعنهم أخذته البلدان الأوروبية في القرن الثاني عشرللميلاد، وقد أنشئ أول مصنع للورق في إنكلترا في القرن الخامس عشر الميلادي وفي عام 1436 اخترع قوتنبرغ الطباعة بالحروف المعدنية المنفصلة أو المتحركة فكان ذلك الاختراع نقطة تحول في تاريخ الكتاب نقلته من طور المخطوطة إلى طور المطبوعة، وأول كتاب طبع في أوروبا هو الكتاب المقدس الذي طبعه قوتنبرغ في ما بين عام 1452 وعام 1455م.

 

وقد تطور إنتاج الكتب واستخدامها مع تطور الطباعة وتطور التعليم وانتشاره في جميع دول العالم فأصبح الكتاب في شكله الورقي وعاء العلم والثقافة السائد لكثير من القرون لدى كثير من الأمم وظهرت عناية الدول ومؤسسات الثقافة والتعليم بالكتب والمكتبات ودور الطباعة والنشر واشتهرت الكثير من المكتبات العالمية والإقليمية والمحلية التي تنافست في مجالات الاقتناء والتزويد والتبادل المعرفي والثقافي، وأحيط الكتاب بمنظومة قوانين حماية الحقوق للتأليف والنسخ والنشر والتوزيع للحفاظ على هيبته وإثراءه لمجالات العلم والثقافة، ولا يزال الكتاب مصدرًا من مصادر المعرفة رغم مزاحمته بوسائط المعلوماتية المعاصرة، وقد أخرجته التقنيات الإليكترونية المعاصرة في الشكل الإليكتروني الجديد الذي يتوقع أن يحل محل صيغته وشكله التقليدي السائد تدريجيًا بحسب تطور استخدامات التقنية الإليكترونية.

 

وعلى الرغم من إنتشار المكتبات العامة والأهلية والجامعية ودور النشر في الكثير من دول العالم وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها المعارض الدولية للكتاب في الكثير من دول العالم إلا أن جفوة مرتادي المكتبات ومستعيري الكتب والقراء بدأت تزداد وتتسع مساحتها في أوساط الشباب وطلاب العلم من الجيل المعاصر في الوقت الذي فيه تزداد استخدامات المعلوماتية والتقنيات الإلكترونية الذكية التي أتاحت ظهور أنماط جديدة وحديثة من الكتب الإليكترونية الرقمية التي يمكن تصفحها من خلال أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية السائدة الاستخدام لدى الجيل المعاصر.

 

ولعل أبرز سمات الثورة الرقمية والمعلوماتية هو تحول الإعلام تدريجياً من شكله التقليدي إلى شكله الرقمي سواء المسموع والمرئي والمكتوب، وبات أمراً مألوفاً أن تشاهد لكل وسيلة إعلامية شكلاً رقمياً على شبكة الانترنت، فأصبح للصحف مواقعها الإلكترونية وللمحطات التلفزيونية قنوات بث مباشر على شبكة الانترنت، هذه الثورة الرقمية طالت أيضاً الكتاب الورقي التقليدي لتحوله إلى شكله الإلكتروني وتجعله بمتناول الملايين من الناس بأسهل الطرق وأرخص الأسعار، ويتميز الكتاب الإليكتروني في نظر الكثيرين من المتابعين لتطوره بالآتي:

 

– قابليته للنقل حيث يمكن تحميل عدد من الكتب في وقت واحد وفي مكان واحد وفي ذلك توفير الحيز.

 

– إمكان الوصول السريع إليه وإتاحته للقراء بأقصر وقت ممكن.

 

– إنتاجه بأشكال متعددة لتناسب مختلف أنواع القراء.

 

– قابليته للبحث الإليكتروني المفصل في كامل أجزاء النص.

 

– إمكانية إضافة الحواشي والتعليقات على أجزاء الكتب وتجميعها عند الحاجة لكتابة مقال أو بحث أو نحوه.

 

– إمكان الربط الإليكتروني بكلمات أو عبارات في مصادر إلكترونية أخرى كالقواميس ودوائر المعارف.

 

– إمكان دعم الكتب الإلكترونية بالوسائط المتعددة مثل الصوت والصورة الساكنة والمتحركة.

 

– انخفاض الزمن المستغرق في النشر وكذلك التكلفة.

 

– إمكان النشر الشخصي.

 

– إمكانية قراءته في الظلام أو الضوء الضعيف فبعض الأجهزة مزودة بوحدات إضاءة.

 

– إمكانية الاختيار من بين الأشكال والخطوط والألوان حسب رغبة كل شخص.

 

ويرى بعض المحللين أن الكتب الورقية ستتعايش جنبًا إلى جنب مع الكتب الإلكترونية إلى فترة من الزمن خصوصًا في بعض الموضوعات الأدبية كالروايات والقصص ، أما في رأي البعض الآخر فإن المستقبل سيكون للكتاب الإلكتروني لأن النشر الإلكتروني سيكون أسهل ومتاحًا لشريحة أكبر من المؤلفين، كما أن سلوكيات البحث عن المعلومات والعادات القرائية ستتغير أيضًا لدى شرائح المجتمع الأصغر سنًا الذين تعودوا على استخدام الحاسب والإنترنت والهواتف الذكية، فالعبرة في الحصول على المعلومات المطلوبة في الوقت المناسب وليس في شكل الوعاء وهل هو ورقي أم إلكتروني، ويضاف إلى ذلك أن المستقبل سيكون متاحًا لتطور المكتبات الإلكترونية التي ستكسر الحواجز الزمنية والجغرافية وتوفر المعلومات لمن يحتاجها في أي مكان وفي أي وقت.

 

وقد شهد الكتاب الإلكتروني في الولايات المتحدة الأمريكية نجاحات متقدمة مع شركة “آمزون “فجهاز “كيندل” فتح الطريق للقارئ للوصول إلى نصف مليون عنوان بنصف أسعار الكتب الورقية تقريبا ، وأتاحت شركة “آبلْ“وشركة “ماكروسوفت”و”قوقل” وغيرها من الشركات الرقمية متاجر متعددة تضمنت الكتب الإليكترونية ، وقد حققت مبيعات مربحة تنافس مبيعات الكتب الورقية التقليدية، وتصنف الكتب الإليكترونية إلى مجموعة أصناف أبرزها:

 

وقد اهتم الكثير من المثقفين في الكثير من دول العالم باستشراف مستقبل الكتاب التقليدي والكتاب الإليكتروني وأقيمت العديد من المؤتمرات والندوات وأجريت العديد من الدراسات العلمية والبحوث في هذا المجال وتشير غالبيتها إلى تطور الكتاب الإليكتروني ورواجه وانحسار الكتاب الورقي المطبوع، ففي تقرير حديث صدر عن شركة “برايسوتر هاوس كوبرز” توقع تفوق مبيعات الكتب الإلكترونية على نظيراتها من الكتب الورقية المطبوعة بحلول عام 2018م وأن قيمة سوق الكتاب الإلكتروني الاستهلاكي -ما عدا الكتب المدرسية وكتيبات المهنيين- سترتفع من 635 مليون دولار إلى 1.67 مليار دولار، فيما يُتوقع أن تنخفض مبيعات الكتب المطبوعة بمقدار الثلث.

 

ولعل المستقرئ للمستقبل انطلاقًا من التأريخ والواقع وفي ظل التطورات المذهلة في المجالات الرقمية وصناعة الهواتف والألواح الذكية يلمس التحول في ثقافة الأجيال في اتجاه الثقافة الإليكترونية واستخدام وسائط المعلوماتية الذكية وانحسار اقتناء الكتب الورقية وارتياد المكتبات، وعليه تبرز لنا مجموعة من الاحتمالات والفرضيات والمشاهد والسيناريوهات لمستقبل الكتاب عامة والكتاب الإليكتروني خاصة لعل من أبرزها مايلي:

 

المشهد الأول: استمرار العناية بالكتاب الورقي والمكتبات مع العناية الموازية بالكتاب الإليكتروني والمكتبات الرقمية وفي هذا المشهد يتوقع استمرار تعامل الأجيال المستقبلة مع الكتاب بأنواعه متى ما نشطت برامج الحفز على القراءة واتيح الكتاب بتنوع صيغه للقراء.

 

المشهد الثاني: انحسار استخدام الكتب الورقية مقابل نشاط الكتب الإليكترونية وهو ما يعني استمرار العزوف عن المكتبات وانحسار دور النشر الاعتيادية وتطور النشر الإليكتروني ونشاط الوسائط الرقمية والأجهزة الحاسوبية والهواتف والألواح الذكية وقد يشهد المستقبل إغلاق الكثير من المكتبات العامة والأهلية وافتتاح المكتبات الإليكترونية البديلة.

 

المشهد الثالث: انحسار استخدام الكتاب الورقي والكتاب الإليكتروني معًا والتوسع في استخدام الوسائط الرقمية في غير صيغ الكتاب والتوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بديلا عن الكتاب بأنواعه وهو ما يعني موت المكتبات والكتاب كوعاء للعلم والثقافة ورواج المعلومات غير الدقيقة المتداولة عبر الوسائط مما سينعكس سلبيًا على نوع الثقافة ومستواها واتجاهاتها.

 

ولعلي أميل إلى أن المستقبل للكتاب سيواجه بتهديدات التقنيات الرقمية المتطورة والتي ستفتح الأبواب مشرعة للمعلومات المضطربة والتي ينتجها الأفراد خارج معايير العلمية وستؤثر حتمًا في الثقافة العامة وفي الاتجاهات والقيم مما سيشكل عبئًا على المجتمعات المستقبلة لمواجهة المؤثرات التقنية على السلوك الفردي والاجتماعي وعلى الدول والمؤسسات التربوية والمجتمعات الحيطة لهذا المشهد المرعب من خلال ترشيد استخدام التقنيات الرقمية والمعلوماتية بما يحافظ على الكتاب وقيمته العلمية ، وعلينا التحسب لكل الاحتمالات وتطوير أساليبنا التربوية على مستوى الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمع لمواجهة سيل التأثيرات السلبية للتقنيات الرقمية الواقعية والمحتملة ، والله الموفق والمستعان.

 

المصدر

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن