مجلة استشراف للدراسات المستقبلية، العدد الأول، حزيران/يونيو 2016

2019-07-19 07:00

يندرج إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للكتاب السنوي الأول من استشراف للدراسات المستقبلية في إطار منظومة الدوريات المتخصّصة المحكّمة التي يصدرها، وهي مجلة تبيّن للدراسات الفكرية والثقافية، ومجلة عُمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ومجلة سياسات عربية، ومجلة أسطور للدراسات التاريخية. وقد برزت الحاجة الملحّة إلى إصدار استشراف ككتابٍ عربي للدراسات المستقبلية والاستشرافية إثر تراجع الزخم البحثي الاستشرافي العربي، الذي كان قد اندفع خلال العقود الأربعة الأخيرة وأثمر عدة مشاريع استشرافية على مستوى المشاريع البحثية الجماعية؛ فكان من أبرزها مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، ومشروع مصر 2020، ومشروع سورية 2025، وآخرها رؤية قطر الوطنية 2030، إلى جانب محاولات محدودة أخرى لم يُقيّض لها الاستمرار. ويحاول هذا الكتاب السنوي استئناف هذا الزخم على المستوى البحثي، وإعادة طرح قضاياه وأسئلته من جديد لتكريس مدرك المستقبل في جهاز مفاهيم الباحثين والمخططين والإستراتيجيين ومنتجي الرؤى والأفكار، وتكوين نخبة علمية فاعلة في المجال البحثي الاستشرافي. ويتكامل هذا الكتاب مع انتهاج العديد من الأقسام العلمية في الجامعات العربية اليوم إدماج اختصاص الدراسات المستقبلية في مساقاتها. يأتي الكتاب ليفتح إذًا المجال أمام جميع الباحثين والمهتمين العرب بالدراسات المستقبلية، ساعيًا إلى توجيه الجهد العلمي العربي في هذا الحقل المعرفي والعملي والمساهمة في تبلوره وتراكمه وتكامله؛ فليس المستقبل مكانًا نذهب إليه، بل ما نصنعه نحن باستمرار.

 

عن المجلة

 

مجلة استشراف دورية علمية محكّمة يصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في شكل كتاب سنوي، آملًا أن يسدّ بها أحد أبرز الفراغات في المكتبة العلمية العربية، والمتمثل في الافتقار إلى مجلة علمية محكّمة في مجال استشراف صور الغد ودراسة مشاهد المستقبل. وينطوي إصدار هذه الدورية على استجابة علمية لتسديد دراسات الاستشراف في محيطنا العربي وتطويرها، والتي انطلقت عمليًّا منذ عقود، وعرفت فترات مدّ وجزر سمحت بتراكم علمي وكمّي نسبي يتيح البناء عليه تمحيصًا ونقدًا ومراجعةً لمزيدٍ من الدقة العلمية والعمق المنهجي والتناول الرصين، خدمةً لمشاريع النهوض بالوطن العربي وإدراك عناصره المحرّكة وتياراته الغالبة ذاتًا ومحيطًا.

 

لقد عرف وطننا العربي دراسات موسّعة، محدودة العدد، قُطرية وإقليمية، وعلى فتراتٍ متباينة، تندرج ضمن بحوث الاستشراف ودراسات المستقبل العلمية، تمكّن اليوم عبر مساءلة أفقها الذي حدّدت ومشاهدها التي أقرّت، من أن تقدّم زادًا ثريًّا يتيح حسن المراجعة، ويساهم في إثراء عمليات التطوير التي يهدف مشروع دورية استشراف الواعد، إلى تهيئة مناخها والتشجيع عليها. فقد سمحت هذه المشاريع وغيرها من الأعمال القطاعية أو الجهود الفردية لمتخصصين وأكاديميين عرب بتراكمٍ معرفي تمثّل في اشتغال الجماعة العلمية العربية المعنيّة بأسئلة العلاقة بين التنمية والاستشراف والمستقبل، وإنتاج بعضها دراساتٍ مميّزة في هذا المجال، وكذلك في إدماج الدراسات المستقبلية في بعض بنود جوائز البحث العلمي العربي الرصينة، وفي بعض الأقسام والاختصاصات الجامعية، وتشكيل مجموعة من المراكز للبحوث المستقبلية تتفاوت مستويات نشاطها وجدّيتها وفاعليتها، بما يؤكّد وجود البيئة الملائمة لاستقبال مشروع مجلة استشراف، وإمكانية تخصيبها بجهود الخبراء والباحثين النشطين لأرضية علوم المستقبل وفنونها في وطننا العربي، وإثرائها عمليات النقد والمراجعة والتطوير للبحوث العلمية والأدوات المنهجية الخادمة لفنون الاستشراف ومناهج الدراسات المستقبلية.

 

كما تبني مجلة استشراف على التراكم الثري الذي حقّقه علم الاستشراف الذي كوّن في عمره القصير العديد من محدّداته، لكنّه يبقى شأنه شأن سائر العلوم الاجتماعية علمًا في طور التكوّن ودائم التطوّر. ولربّما هو أحدث العلوم الاجتماعية القابلة لتطوّراتٍ نوعية كبيرة فيه بسبب حداثته، وطَرْقه مبكرًا إستراتيجية المنهجية التكاملية المركّبة العابرة للاختصاصات (Interdisciplinary) وخصوصية اشتغاله التي تدفع بطبيعتها للابتكار والاجتهاد وإذكاء الحدس والذكاء والتفكير في الإنسان وإعمال الفكر النقدي. ولقد اعتمدت أبرز تطوّرات هذا العلم في ضوء عبور الاختصاصات على الدمج بين التقانات الوصفية الكمّية والنوعية. وقد لا يختلف علم الاستشراف في ذلك عن سائر العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى. لكن اختلافه النسبي يتحدّد في كون التقانات الوصفية الكمّية التي اعتمدها، وإن كانت مستمّدة من العلوم الأخرى، فهو يعيد إلى حدٍّ كبير صوْغ وظائفها، ويطوّر في إطارها تقانات مرنة أخرى هي صلبة من ناحية بنائها. وهو ما يثير أسئلة بشأن كيفية استخدام هذه التقانات، وعمّا تعنيه بالنسبة إلى واضعي الخطط ومستشرفي المستقبل. وفي إطار هذا الإدراك، تهتمّ الدورية بتقييم التجارب الاستشرافية المشروعاتية العربية علميًّا، للإفادة النقدية من هذا التقييم، وهو ما يمثّل أحد أبرز مجالات اهتمامها؛ وهو جزء من اهتمامها المركزي النظري والتطبيقي بتلك التجارب والمشاريع.

 

ومن ثمّ، تهدف دورية استشراف إلى إتاحة منبرٍ علمي رصين محكّم للباحثين والمفكّرين العرب الذين يهتمون بمسائل الاستشراف والمستقبل، يضمن استمرارية هذا الاهتمام، ويطوّره بانضمام أجيالٍ جديدة من الباحثين العرب الشبان إليه، ويطرح الاستشراف بوصفه مدركًا أساسيًّا في صلب جهاز مفاهيم الفكر العربي الحديث، ويغرس مفهوم الاستشراف في صلب مفاهيم عملية التنمية، ولا سيّما في مجال تطوير مدركات المخططين وصنّاع القرار وصائغي الإستراتيجيات وواضعي السياسات؛ لإعادة بناء منظوماتهم، وإدماج استشراف المستقبل، بطريقة رصينة في صلب مدركاتهم. كما تهدف في الوقت نفسه إلى التطوير المؤسسي لبعض الروابط والجمعيات العربية المعنيّة بدراسات المستقبل، وصولًا إلى تأسيس مجمع عربي للدراسات المستقبلية، وعقد مؤتمرات علمية سنوية بخصوص قضايا مستقبل الوطن العربي تترسّخ تقليدًا علميًّا سنويًّا.

 

وتشتدّ الحاجة العربية إلى دور دورية استشراف في ضوء ما يلي:

 

تأصيل المساهمات العربية في هذا المجال وتطويرها، والدفع باتّجاه تكوين أجيال علمية جديدة تواصلها وتبني عليها لتتجاوزها، مع ما يصاحب ذلك من الاستثمار المعرفي في تطوير مناهج دراسات المستقبل وتنوير الوعي العامّ والخاص بأهمية الاستشراف وأولويته.

 

مرحلة التحوّلات الاجتماعية الكبرى التي يمرّ بها الوطن العربي، والتي تشير إلى أزمة بنيوية تتميّز بخاصية فريدة، وهي طرح أسئلة المستقبل. وإذ يلتزم المركز العربي بدعم جهود ترشيد عملية التحوّل تلك في ضوء منظورها التاريخي على المدى الطويل، فإنّه يشدّد على التزامه العلمي بمقاربتها وطرح قضاياها وأسئلتها من منطلق علمي ووفقًا للضوابط العلمية؛ فغير خافٍ أنّ من أهمّ موضوعات العلوم الاجتماعية التغيّر الاجتماعي، وأنّ من أجل غايات هذه العلوم –وفي عدادها علم الاستشراف– إتاحة الحرية وترسيخها.

 

إنّ الأزمة البنيوية الكبرى التي تواجه المجتمعات العربية اليوم تحتاج إلى هذا التأصيل والتطوير؛ فلقد وُلد علم الاستشراف في أحضان علم الاجتماع الحديث علمًا مستقلًّا عن النبوءات والتقديرات والفروض الحدسية البسيطة في ظلّ الأزمة المالية – الاقتصادية العالمية الكبرى عام 1929 بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبالنسبة إلى فرنسا بعد الاحتلال النازي لها.

 

تطرح مرحلة التغيّر الاجتماعي الكبرى التي يمرّ بها الوطن العربي أسئلةً جذرية عن نماذج التنمية السابقة، مع توالد أفكار وتقديم فرضيات ودراسة إشكاليات بخصوص نماذج تنموية بديلة تفترض تطوير التفكير في المستقبل وتفعيله، من خلال إمعان التفكير في البدائل المحتملة والممكنة.

 

من هذا المنطلق، تتطلّع الدورية إلى تجذير الاستشراف منهجيًّا، وتكريس اختبار تقاناته، موليةً البعد التقني والمنهجي في الدراسات المستقبلية أو الاستشرافية اهتمامًا خاصًّا، لكي يستقرّ الشعور لدى الباحثين فيما بعد بضرورة اعتماد هذه التقنيات (أو ما ينبثق منها) عند إعداد الدراسات، والتركيز على الدراسات التي توظّف هذه التقانات في تكوين “فرق بحث” وليس الباحث الواحد؛ نظرًا إلى طبيعة هذه الدراسات التي تعتمد على التكامل المنهجي العابر للاختصاصات وصعوبة إنتاج دراسات استشرافية بجهدٍ فردي. وبوصفها مجلة/ كتابًا سنويًا، تطمح دورية استشراف إلى أن تكون مشروعًا تثير الأسئلة الشائكة في مجال عملية التنمية، عن طبيعة العلاقة بين الاستشراف والتخطيط العام والتخطيط الطويل المدى والخطة والإستراتيجية والسياسات. وهي أسئلة أثيرت بالفعل في التجارب الاستشرافية العربية كافة. كما أثيرت في أدبيات الاستشراف العالمية، ولا سيّما الفرنسية منها التي تنتمي إلى فضاء مدرسة الاستشراف الإستراتيجي.

 

العدد كاملاً

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن