هل تحققت نبوءات المهدي المنجرة؟ | أيوب واوجا

2020-03-14 00:03

ايوب واوجا

أيوب واوجا

صحفي

 

7/9/2018

 

“الأطفال هم الأمل، كتبت كتابي الحرب الحضارية الأولى عام 1991 وأهديته لأطفال العراق، و أنا كعالم مستقبليات أهديتها لأطفال العراق الذين سيموتون من بعدما ماتوا، كم من شخص يقول المهدي يبالغ، وفي كل مرة يقولون أبالغ، أعرف أنني سأكون على حق بعد عشر سنوات”
-المهدي المنجرة

 

مرت أربع سنوات على الرحيل الصامت لواحد من أهم المفكرين في تاريخ العالم العربي المعاصر، إنه عالم الاجتماع والدراسات المستقبلية المغربي المهدي المنجرة، العالِم الذي كان جزاء تفرده والتشبث بمبادئه أن لاقى التهميش والجحود والمنع أملا في تليين مواقفه غير أنه رحل عن العالم ومبادئه ظلت صامدة متمردة في وجه العنف والتجبر والطغيان الإمبريالي الممارس على دول العالم الثالث، فتغلغله في أرقى مناصب المنظمات العالمية جعلته يخبر في مواقفها الحقيقية وينتقدها في كتاباته.

 

عُرف عنه طيلة حياته تفرده وذكاءه المنقطع النظير الذي جعل له مكانة محترمة في الأوساط الثقافية العالمية العلمية والفكرية، وقد بدأ نجمه في السطوع حينما تنبأ في السبعينات بحرب الحضارات التي سيكون ميدانها الخليج في حرب الخليج بين العراق والولايات المتحدة وحلفائها، ولدرء اللبس على القارئ الكريم وقبل التعمق في تنبؤاته التي تحققت في العالم الان فيجب الذكر أن المهدي المنجرة عالم مستقبليات وليس منجما، وعلم المستقبليات علم متكامل له رواده وأسسه ومعايره والمهدي المنجرة واحد من أهم علماءه.

 

انهيار الأنظمة العربية:

 

بدأ العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بأمواج تغيير خلخلت شواطئ العالم العربي التي طالها الركود وأعتقد حكامها من فرط نرجسيتهم أنها وديان لا تتحرك، أحرق البوعزيزي نفسه في تونس ولازالت نيرانه حامية في سوريا، الاحتقان الاجتماعي، البطالة، الارتفاع الديمغرافي وتغول السلط، كلها قطرات أنذرت بفيضان الكأس.. ففاض وأغرق معه انظمة اعتقدت من فرط ثقتها أنها تعرف السباحة.

 

لم يُقدّر للمهدي المنجرة أن يواكب تموجات انتفاضات العالم العربي، إذ غيبه المرض في ربيع 2011 إلى حين وفاته سنة 2014، وعلى الرغم من أنه لم يستطع متابعة ما جرى ويجري، فإنه كان من ضمن الذين استشرفوا قدوم الثورات العربية قبل عشر سنين، في كتابه عولمة العولمة، فقد وضع المهدي المنجرة في كتابه تلاث سيناريوهات هي سيناريو الاستقرار والاستمرار وهذا السيناريو يعني أن تستمر الأمور على ماهي عليه، ولذلك فهي تحتاج دعما من البنك الدولي والجيوش الأجنبية، غير أن الاستقرار البيولوجي يعني الموت وتعطيل الإبداع والخلق والابتكار وهذا السيناريو غير ممكن في حياة الشعوب (كتاب عولمة العولمة ص 72).

 

وهذا السيناريو يمكن ملاحظته في أرض الواقع فالدول العربية قبل الثورة وبعدها متعلقة بالبنك الدولي والمساعدات الخارجية والجيوش الخارجية، وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر للأبد كما يقول الدكتور المهدي المنجرة.

 

أما السيناريو الثاني، فهو حسب المهدي المنجرة سيناريو الإصلاح، ويمكن لهذا السيناريو أن ينجح بنسبة قليلة وذلك رهين بسرعة الإصلاح واحتواء الأوضاع، كما يضيف في كتابه أن المشكلة التي تواجه هذا السيناريو تكمن في عدم وجود قوة سياسية في أي بلد عربي قادرة على تقديم برنامج تغيير عن طريق الإصلاح. وهذا السيناريو هو الذي ظهر في البلدان التي كادت ان يطالها الربيع العربي، فسارعت لتغيير قوانينها ودساتيرها والجلوس على طاولات الحوار، لكن السؤال الآن: هل هذا السيناريو قادر على تغيير الوضع جذريا أم ان الربيع العربي استنفد فقط شوطه الأول؟

 

وعن السيناريو الثالث يقول المهدي في كتابه: هو سيناريو التغيير الجذري أو المواجهة والتحولات الكبرى، وحتى الآن لا ندري كيف سيتم هذا التغيير وما هي درجة سرعته، والمثال باليوم الذي وقعت فيه ثورة الشعب المغربي ضد الاستعمار الفرنسي سنة 1953، وكانت هذه الثورة قد مثلت لحظتها تغيرا جذريا على مستوى الوعي ووضعية المستعمر، ولن يختلف التاريخ كثيرا في الحاضر فبإمكان التغيير الجذري أن يقع في أي لحظة (…) والشيء الوحيد الذي نتمناه هو أن يكون ثمن هذا التغير قليلا، والشيء الأكيد هو أنه كلما تأخر هذا التغيير ازدادت التكلفة، أنا لا أتصور مستقبلا للبلاد العربية إلا في إطار هذا السيناريو الثالث، لأن السيناريوهين السابقين لا يمكن تحقيقهما في ظل الوضعية العربية الراهنة، فلا يمكن أن نجلس ونخطط لسيناريو الإصلاح في ظل حكم الفاشستية العربية الجديدة. ليس من المبالغة القول ان المهدي المنجرة قد استشرف حقا قدوم الانتفاضات العربية بل تعمق اكثر وحدد الدول التي ستشدها، لقد تحدث بالاسم والصفة عن مصر مبارك وعن تونس بن علي.

 

 

 

فشل الأمم المتحدة والمؤسسات السياسية:

 

كتب المهدي المنجرة كتابه “الأمم المتحدة” سنة 1973، ثم استقال عن النظام كله سنة 1976، إذ كان يشغل منصب مدير مكتب اليونسيكو في عام 1962 ثم مستشارا خاصا له، ثم مديرا عاما مساعدا قبل أن يغادر المؤسسة بعد ذلك، لأنه يرى أن الأمم المتحدة فشلت في دورها المناطة به ألا وهو إحلال السلم بالعالم وصارت تخدم مصالح الدول الغربية فقط، كما تنبأ بفشلها في حل النزاعات في دول العالم متذرعا بكونها مؤسسة لحظية فقط جاءت لفك مشاكل لحظية فلا يمكن لها أن تساير العصر، ويقول المهدي المنجرة في إحدى محاضراته: لا يمكن أن نساير القرن 21 بمؤسسات القرن 18 بما فيهم البرلمان والمجالس العليا التي أنشئت لتحل مشاكل أنية، العالم يحتاج مؤسسات أخرى تماما، الدول لا تحتاج حكومات فيها وزير الصحة ووزير الفلاحة إلخ..، لأن نسبة كبرى من مشاكل وزارة الصحة في يد وزارة الأشغال العمومية.

 

وواقع الحال يجعل القارئ يقف أمام مدى صحة كلام المهدي المنجرة في عالمنا الحالي، فشلت الامم المتحدة في الصومال وسوريا وصارت قراراتها حبرا تخرقه الدول العظمى قبل أن يجف، حق الفيتو جعل من ردهات الأمم المتحدة قاعة كبرى لورق اللعب، ما إن تسحب دولة الفيتو حتى تعارضها الأخرى بسحب ورقة الفيتو الخاص بها فهل انتهت صلاحية الأمم المتحدة؟

 

إن فكر المهدي المنجرة لا ينضب وهذا المقال ليس سوى بذرة ودعوة للتنقيب في فكر الرجل الذي عاش في الظل وناضل من أجل تعليم منتج وليس فقط فلكلوريا وتنمية اقتصادية ترقى بكرامة الإنسان وتهدم الهوة السحيقة بين الغرب والعالم الثالث، المهدي المنجرة رجل الاستقالات بامتياز، الذي تخلى على مناصب تسيل اللعاب من اجل مبادئه وحرية أفكاره.

 

“أجدني متشائما على المدى القصير لأنني متفائل على المدى البعيد”
– المهدي المنجرة

 

المصدر

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن