استشراف المستقبل (18) إدارة الذكاء الاستراتيجي

استشراف المستقبل (18) إدارة الذكاء الاستراتيجي

2021-01-16 12:00 ص
الكاتب :

إدارة الذكاء الاستراتيجي

 

كان للتغير المتســارع الذي حدث في الآونة الأخيرة في مجمل نواحي الحياة تأثيراته المباشــرة على الممارســات الإدارية وطبيعة العلاقات التنظيمية، لاســيما في ظل التطورات التقنية المتسارعة والأدوار والمشـاكل التي تجاوزت الحدود بفعل تنامي تأثيرات العولمة وأبعادها، الأمر الذي أبرز حاجةً ملحة إلى التنبؤ بـمستقبل المنظمات كونها جزءاً من نظامٍ محلي ضمن نظامٍ عالمي أشــمل يؤثر في نشــاطات وخطط واسـتراتيجيات تلك المنظمات. فبرز الذكاء الاستراتيجي “Strategic Intelligence” (SI) كأداة فاعلة لتوجيه المنظمة نحو تحقيق أهدافها على المدى البعيد، والمحافظة على مكانتها، وقراءة مستقبلها، وتمكين قادتها من استشعار الفرص المتاحة والتكيف مع التغيرات التي تحيط بها.

 

ويرتبط الذكاء الاستراتيجي بنوعٍ مميزٍ من القدرات العقلية التي يحتاجها المدير أو القائد والمفكر الاستراتيجي التي تتيح له إمكانية التفكير الشمولي بـمستقبل المنظمة ومواجهة حالات اللايقين وندرة المعلومات أو محدوديتها، مما يستوجب فهماً واسعاً لمتطلبات البيئة المحيطة والبحث عن أفضل السبل والإمكانات التي توفر أفكاراً مناسبة تستهدف تحقيق المكانة المرموقة والموقع المتميز للمنظمة من خلال التفوق على الآخرين. ولا يكفي لشاغل المنصب أن يكون ذكياً، إنما لابدّ من توافر القدرات المتفردة لديه في مجال استخدام القدرات العقلية وفق منظور استراتيجي يحقق له وللمنظمة التي يعمل فيها فرصاً مستقبلية يصعب على الآخرين الوصول إليها بذات المستوى (النعيمي، 170، 2008).

 

ويساعد الذكاء الاستراتيجي المنظمة على التخطيط طويل الأمد ويمكنها من توقع التغيير وإدارته حيث أشار إلى ذلك رجل الأعمال (Hopewell) في قوله: “في ظل التغييرات البيئية السريعة والتي تجعلنا نرى المستقبل بشكلٍ غير واضح يجعل استراتيجيتنا مهددة، فنحن نحتاج إلى استراتيجية متعلقة بتكوين المستقبل وليس التكيف مع التغيرات المستقبلية، والذكاء الاستراتيجي هو لإجابة الحاضر واالمستقبل، لا بل إنّ هذا الذكاء يجعلنا قادرين على تكوين مستقبلنا ورؤية النتائج” (Mac Gilchrist, 2002, 2).

 

ويوفر الذكاء الاستراتيجي للمديرين تفهم وتبصر وسائل التغيير المحتملة للسياسات والاستراتيجيات والبرامج والتشريعات، ويمكنهم من فحص بيئة عمل المنظمة وتحديد الأخطار والتهديدات والفرص التي تواجه المنظمة، كما يوفر فرصة للمنظمة لمعرفة ما يدور في البيئة التي تعمل فيها، وهذا بدوره يساعدها في توقع التغيرات التي يمكن أن تحدث في المستقبل وإدارتها، ووضع الاستراتيجيات المناسبة للتكيف مع هذه التغيرات والاستعداد التام لأي أمر طارئ قد يحدث (Tham & Kim, 2002: 1).

 

ومما لا شك فيه أنّ هذا النمط من الذكاء يجعل صاحبه ذا مخيلةٍ وبصيرةٍ واسعتين ويتميز بعلمٍ ومهاراتٍ للتحليل والتفكير، ويعتمدُ العقلَ المفكر والمعرفة بدل قوته العضلية في إنجاز العمل مع عجرفة فكرية وظلٍ ثقيلٍ يفقدانه محبة المحيطين به، لذا لابدّ من ضرورة تمتع القادة ذوي الذكاء الاستراتيجي بالذكاء الشعوري أيضاً من خلال الاقتراب من العاملين واستيعاب مشاعرهم وبناء علاقات طيبة وفاعلة معهم، الأمر الذي يثير الرغبة لديهم في العمل مما يؤدي إلى السير بالمنظمة نحو النجاح الاستراتيجي.

 

بيد أنّ عملية تطوير الذكاء الاستراتيجي ليست سهلة وتحتاج إلى الكثير من الجهد والتدريب، ويرى (Maccobyetal, 2004: 8) أنّ هذه العملية ترتبط بمبدأين أساسيين: أولهما أنّ عناصر الذكاء الاستراتيجي تعمل كنظامٍ واحد وتحتاج أن يتم التعامل معها ككل، فهي مترابطةٌ ولا يمكن أن تنفصل، وهذا يدفع القادة إلى صياغة وإنجاز الاستراتيجيات، وتحقيق الإبداع الاستراتيجي بحيث يعملون كفريقٍ فعال في اتجاه تحقيق المستقبل، وهذا يتطلب توظيف عناصر الذكاء الاستراتيجي في قيادة المنظمة، وثانيهما تحديد وتشخيص احتياجات المنظمة والتحديات والصعوبات التي تواجهها ثم تنفيذ ورش عملٍ وحلقاتٍ نقاشية وحواراتٍ مفتوحة لمناقشة هذه التحديات وإيجاد الحلول الملائمة لها مما يساعد في تطوير الذكاء الاستراتيجي لديهم والقدرة على مواجهة كافة التحديات والمشكلات التي تواجه المنظمة مهما بلغت درجة تعقيدها.

 

ولعلّ أبرز ما يمكن للمديرين تذكره عند تطوير الذكاء الاستراتيجي كما يرى (Xu, 2007: 10) معالجة تدفق المعلومات والمعرفة في المنظمة وتطوير خطوطٍ إرشادية ولغةٍ مشتركة تساعد الموظفين في عملية جمع المعلومات والحفاظ عليها واستخدامها، إضافةً إلى التركيز على سلوك الأفراد ومراقبة العمليات في المنظمة، وبناء مشاريع مراقبة ونظامٍ للحوافز لمكافأة وتشجيع الموظفين، واستخدام المعلومات النهائية بشكل منتظم كسلاحٍ تنافسي.

 

وبعبارةٍ موجزة يمكننا القول: إنّ إدارة الذكاء الاستراتيجي الناجحة تبدأ بقدرة المنظمة على استخدام المعلومات والمعرفة بفاعلية والمتعلقة بالعملاء والمنتجات والخدمات والعمليات والأمور المالية واتجاهات التأثير على أداء العمل في المستقبل، وتشجيع الموظفين على الإحساس بالتغيير ومحاولة تحديد كيفية تأثير التغيير في العمل وبيئة المنظمة، والاستخدام الجيد للمعلومات التي تتيح اتخاذ القرارات الصائبة.

 

المصدر

0 0 vote
Article Rating

اترك تعليقاً

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments