استشراف المستقبل (17) بين العلم والفن

استشراف المستقبل (17) بين العلم والفن

2021-01-16 12:00 ص
الكاتب :

بين العلم والفن

 

كوّن الاهتمام بـاستشراف المستقبل في عمره القصير العديد من محدّداته على الرغم من كونه في طور التكوّن ودائم التطوّر، ولربّما هو أحدث العلوم الاجتماعية القابلة لتطوّراتٍ نوعية كبيرة فيه بسبب حداثته وطرقه مبتكرًا استراتيجية المنهجية التكاملية المركّبة العابرة للاختصاصات “Interdisciplinary” التي تدفع بطبيعتها للابتكار والاجتهاد وإذكاء الحدس والذكاء والتفكير في الإنسان وإعمال الفكر النقدي، الأمر الذي يثير تساؤلاً حول ماهية الدراسات المستقبلية، وهل هي علم أم فن؟

 

رغم الاختلاف في الاتجاهات بين من يعتبرها علماً قائماً بذاته أم فناً لا يخضع للقوانين العلمية فإنّ اتجاهاً ثالثاً يصنفها ضمن «الدراسات البينية» باعتبارها فرعًا جديدًا ناتجًا عن حدوث تفاعل بين تخصص أو أكثر مترابطين أو غير مترابطين، وتتم عملية التفاعل من خلال برامج التعليم والبحث بهدف تكوين هذا التخصص.

 

وفي حين أنّ المفكر المغربي مهدي المنجرة يؤكد أنّ الدراسة العلمية للمستقبل تسلك دومًا سبيلا مفتوحًا يعتمد التفكير فيه على دراسة خيارات وبدائل باعتبارها شاملة ومنهجها متعدد التخصصات “multidisciplinary”، يرى آخرون أنها نتاجٌ للتفاعل بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وبالتالي فهي ليست علمًا، وإنما تُبنى رؤاها على العلوم المختلفة، إنها مجالٌ معرفي بيني متداخل “interdisciplinary” وعابر للتخصصات وتقنياته من كل المعارف والمناهج العلمية، ومفتوحٌ على الإبداعات البشرية التي لا تتوقف في الفنون والآداب والعلوم، ورغم نموه المطرد وتأثيره الكبير ما زال وسيظل مفتوحًا للإبداع والابتكار.

 

وما يميز الطبيعة الفريدة للدراسات المستقبلية –كما يقول شوستاك– أنها مزيجٌ من الفن والعلم، ومن الكمي والكيفي، ومن الجزء الأيمن (المسئول عن الإبداع والحدس والإلهام) والجزء الأيسر للدماغ، مع وقفة من القلب والروح، ويجب أن لا يُصنف هذا الاختصاص ضمن فئة من فئات الدراسات السابقة حيث أنّ هذا الاختصاص قد حُبك على ما يبدو بين مزيجٍ من القضايا والقوى والعلوم المتباينة، وفي حين أنّ الطريقة العلمية تبحث عن تجزئة ما يتم قياسه إلى وحدات تتناهى في صغرها، نجد أنّ الدراسات المستقبلية تنقل العكس وتدرس الصورة الكبرى.

 

وتعتبر الجمعية الدولية للدراسات المستقبلية أنّ الدراسة العلمية للمستقبل هي مجالٌ معرفي أوسع من العلم يستند إلى أربعة عناصر رئيسة هي:

 

أ- الدراسات التي تركز على استخدام الطرق العلمية في دراسة الظواهر الخفية.

 

ب- دراساتٌ أوسع من حدود العلم فهي تتضمن المساهمات الفلسفية والفنية جنبًا إلى جنب مع الجهود العلمية.

 

ج- دراساتٌ تتعامل مع مجموعة واسعة من البدائل والخيارات الممكنة وليس مع إسقاط مفردة محددة على المستقبل.

 

د- الدراسـات التي تتناول المسـتقبل في آجال زمنية تتراوح بين ٥ ســـنوات و٥۰ سنة، وفي كتاب “تفكـير جديد لألفية جـديدة“ New Thinking for a New Millennium يعترف سلوترR. Slaughter بأن إطلاق صفة متعدد التخصصات على الدراسات المستقبلية وصف دقيق ومجال جديد من الدراسات الاجتماعية هدفه الدراسة المنظمة للمستقبل.

 

وعلى الرغم من غياب الإجماع على ماهية الدراسات المستقبلية، علم هي أم فن أم دراسة بينية، فإنها تأخذ من كل ذلك بنصيب، ولذلك تظل مجالاً إنسانيًّا تتكامل فيه المعارف وتتعدد، هدفها تحليل وتقويم التطورات المستقبلية في حياة البشر بطريقة عقلانية وموضوعية تفسح المجال للخلق والإبداع الإنساني، وهي لا تصدر نبوءات بل هي اجتهادٌ علمي منظم يوظف المنطق والعقل والحدس والخيال في اكتشاف العلاقات المستقبلية بين الأشياء والنظم والأنساق الكلية والفرعية مع الاستعداد لها ومحاولة التأثير فيها، فـالمستقبل ليس مكتوبًا وليس معطىً نهائيًّا بل هو قيدُ التشكيل، والدراسات المستقبلية لا تقدم مطلقاً صورة يقينية ومتكاملة للمستقبل، كما أنها لا تقدم مستقبلا واحدًا، فـالمستقبل متعدد وغير محدد وهو مفتوح على تنوعٍ كبير في المستقبلات الممكنة.

 

المصدر

0 0 vote
Article Rating

اترك تعليقاً

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments