مستقبل الوظائف في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي

مستقبل الوظائف في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي

2021-04-12 5:53 م

مستقبل الوظائف في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي

 

بقلم: د. بثينة حسن الأنصاري، خبيرة تطوير التخطيط الاستراتيجي والموارد البشرية

 

الحديث عن مستقبل الوظائف قديم متجدد، ينخرط فيه الخبراء المتخصصون في التنمية والموارد البشرية، وأيضا المنظمات الدولية المعنية بمحاربة البطالة والفقر، واختلفت وجهات النظر بين هؤلاء المنظّرين حول واقع الوظائف في عصر الرقمنة، فمن قال إن هذه الرقمنة ستؤدي إلى خفض عدد الموظفين، ومن قال عكس ذلك، بل ذهبوا إلى أبعد من هذا فرأوا أنها سوف تضاعف أعداد الموظفين، لكن الطرفين متفقان على أن واقع الوظائف وصفات الموظف سوف تتغير كلية عما هي عليه الآن، حيث سندخل حياة جديدة مختلفة جملة وتفصيلا، أي أن واقع التوظيف الحالي سيأتي عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا.

 

ومعروف أنني تطرقت إلى هذا الموضوع من قبل في ندوات وحوارات تليفزيونية سابقة، ومن منطلق تخصصي العلمي وخبرتي أستطيع أن أُطَمئِن من ينتابهم القلق على مستقبل الوظائف، شريطة أن يطوروا أنفسهم طبقا لمقتضيات عصر الرقمنة، وأن يعملوا على رفع مستوى كفاءاتهم ومهاراتهم استعدادا للعمل في بيئة يحكمها الذكاء الاصطناعي.

 

ودائما أحرص على تعزيز آرائي بالأرقام والإحصائيات فهي أصدق لغة، ويصفها خبراء الإحصاء بأنها الصورة الفوتوغرافية للمجتمع الذي تتحدث عنه، وانطلاقا من هذا الحرص أقول إن عصر الرقمنة سوف يضاعف عدد الوظائف، ولتطمئن قلوبكم لنا في اليابان وكوريا الجنوبية المثل الحي، فهما الآن أكثر الدول انخراطا في عصر الرقمنة، حيث تقوم الروبوتات هناك بكل المهام بدءا من كنس البيت وطهي الطعام حتى صناعة السيارات مرورا بالإلكترونيات والأجهزة الكهربائية، ومع هذا فنسبة البطالة عندهم صفر، بل تكاد تكون تحت الصفر، وفي الخامس والعشرين من يناير 2021 تحدثت وزيرة الأولمبياد اليابانية سيكو هاشيموتو قائلة نحاول توظيف 10 آلاف موظف في مجال الصحة استعدادا للأولمبياد في يوليو القادم للقيام بمهام لا تصلح لها الروبوتات، علما بأن بين كل 10 آلاف عامل ياباني يوجد 339 روبوتا في مجالات الصناعات التحويلية والترفيهية والاجتماعية، كما تعمل أيضا في مجالات الحراسة والأمن، فاليابان تقود مجال الروبوتات المدنية.

 

أما كوريا الجنوبية التي تحتل المركز الأول عالميا في كثافة الروبوتات بمعدل 347 روبوتا بين كل 10 آلاف عامل، بحسب موقع انسايدر مانكي المتخصص في الجودة الرقمية فقد ذكرت أن مهمة صناعة وصيانة الروبوت الواحد الذي يحل محل 10 موظفين خلقت من 20 إلى 30 وظيفة يعملون في مراحل التصنيع والصيانة والبرمجة وإدخال البيانات والتحليلات، علما بأن عمر الروبوت أو الإنسان الآلي في الوظيفة أقصر من عمر الإنسان البشري.

 

ويمكننا أن نقيس على كوريا الجنوبية واليابان بقية الدول المتقدمة في كثافة عدد الروبوتات فهي بالترتيب ألمانيا في المركز الثالث بمعدل 261 روبوتا تليها إيطاليا بمعدل 159 روبوتا والسويد بمعدل 157 روبوتا والدنمرك بمعدل 155 روبوتا والولايات المتحدة الأميركية في المركز السابع بمعدل 135 روبوتا، وحول أميركا بالذات توقف محلل موقع انسايدر مانكي فقال: أدت محاولات استخدام الروبوتات في الأغراض العسكرية في الولايات المتحدة إلى فرض السرية فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة في هذا المجال، وربما إذا تم نشر هذه البيانات علانية، فسوف تتقدم الولايات المتحدة في القائمة، يلي أميركا أسبانيا في المركز الثامن بمعدل 131 روبوتا وفنلندا بمعدل 130 روبوتا وفي المركز العاشر تايوان بمعدل 129 روبوتا.

 

أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط والوطن العربي ومنطقة الخليج تحديدا فلا تزال خارج التصنيف على الرغم من وجود روبوتات بها، لكن بعدد محدود لا يكاد يذكر مقارنة بالتصنيفات العالمية، مثل الروبوت صوفيا التي حصلت على الجنسية السعودية من صناعة شركة «هانسون روبوتيكس،» التي تتخذ من مدينة هونغ كونغ مقرا لها، وصممها مؤسس الشركة الدكتور ديفيد هانسون، وبحسب موقع الشركة الرسمي، تتميز صوفيا بتفاصيلها التي تشبه البشر إلى حد كبير، وتعابير وجهها التي تعكس مشاعر مختلفة، ووجهها الذي صمم ليشبه وجه الممثلة الأميركية الجميلة الراحلة أودري هيبورن.

 

أخلص من هذا الحديث إلى أن عدد الوظائف لن يقل، ولكن طبيعة الكثير من الوظائف أو أنواعها من المؤكد أنها سوف تنقرض، أي نستطيع القول «زيادة في الكم وانخفاض في الكيف لصالح الحوسبة»، ويشير التقرير الذي أعدته شركتا «سي بي آر إي» و«جنيساس» الصينية مؤخرا إلى أن 50% من المهن الموجودة اليوم سوف تختفي تماما بحلول عام 2030 ولكن 65% من وظائف المستقبل لم تظهر بعد، أي أن هناك 15% زيادة على عدد الوظائف، حيث سيتحول الناس إلى امتهان المهن الأكثر إبداعًا وإنتاجية، واعتمد التقرير الذي جاء بعنوان «إلى الأمام سريعا 2030: مستقبل العمل وأماكن العمل» على مقابلات شخصية مع 200 من الخبراء وقيادات الأعمال والشباب من آسيا الباسفيكية وأوروبا وأمريكا الشمالية، وتأتي أبرز المهن التي ستنقرض خلال السنوات القادمة: «موظف حجز تذاكر السفر، موظف ساعي البريد، المدرسون، السائق الخاص، الطيارون، مراسلو الصحف، عمال المصانع، الوسطاء العقاريون، قارئو العدادات، المحاسبون والمحللون الماليون، وهذا ليس نتاج نقص في الطلب على منتجاتهم أو منتجات مؤسساتهم، ولكن لأن أعمالهم ومهنهم سيتم حوسبتها وستقوم بها التكنولوجيا بدلا من العنصر البشري، ويقول جوناثان غرودين، الباحث بشركة مايكروسوفت «ستحدث التقنية خلخلة في الوظائف ولكنها ستحدث المزيد من فرص العمل»، وسيحتاج عدد متنامٍ من الوظائف في المستقبل إلى إبداع وذكاء ومهارات اجتماعية وقدرة لمواكبة الذكاء الصناعي، وسيمهد كل ذلك طريقًا للسعادة وتحقيق الذات للكثير من الناس، وفقًا للتقرير ذاته.

 

أما المهن التي لن تستطيع أجهزة الحاسوب والروبوتات أن تحل محل ممارسيها من البشر في تقدير عدد غير قليل من الخبراء فهي: أطباء العظام، وعلماء الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية، ومهندسو الإلكترونيات ما عدا مهندسي الحاسوبات، والدعاة والموجهون وعلماء الدين، والمشرفون بدور الإصلاح، والمديرون الفنيون، والسينمائيون، وأطباء تقويم العظام، ومصممو الديكور الداخلي، والمخرجون والمنتجون السينمائيون، والمصورون، وخبراء العلاج الطبيعي، ومصممو الأزياء، ومهندسو المواد، وعلماء المواد، وخبراء النبات والتربة، وأطباء التشخيص العلاجي، والمهندسون المدنيون، وفنيو العلاج الطبيعي، والمعماريون، ومهندسو البيئة.

 

هذا وسوف تستجد أمور حول هذا الموضوع قد تجعل الخبراء يعدلون من آرائهم، فالكلمة الفصل في هذا الموضوع للشركات التي تعتمد على الابتكارات والتي لا يتوقف عملها ليلا أو نهارا، فمع كل إشراقة شمس تظهر إبداعات جديدة لم تكن في الحسبان، وعلينا مواكبتها، وهذا التجديد والتغيير يفرض على الجامعات والمدارس أن تعقد اجتماعات وندوات وتستضيف الخبراء لوضع مناهج تواكب الذكاء الاصطناعي وابتكارات الرقمنة واستشراف الحياة في وجودهما، فلم تعد المناهج التقليدية مفيدة ولا مطلوبة، كما يفرض على مؤسسات التخطيط والنظم والإحصاء أن تنصرف إلى التخطيط للمستقبل الرقمي تخطيطا مبنيا على معلومات وإحصاءات دقيقة، وستبدي لنا الأيام الكثير من المفاجآت، ونواصل الحديث في هذا الاتجاه في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى. «50%» من الوظائف الحالية تنقرض خلال «10» سنوات.

 

المصدر

0 0 vote
Article Rating

اترك تعليقاً

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments