أحمد دحمان

أسلوب دلفي | أحمد دحمان

2019-07-19 7:00 ص
الكاتب :

أسلوب دلفي

 

ذكرنا في المقالة الماضية مقدمة عن الدراسات المستقبلية وأهميتها وتزايد انتشارها على النطاق العالمي في كل المجالات وعلى مستوى الدول والشركات الكبرى وحتى المؤسسات الصغيرة، ويلاحظ وجود وحدات أو أقسام للدراسات المستقبلية في هذه المؤسسات بعد أن ثبت جدواها في التقليل من المخاطر المستقبلية والمساهمة في تخفيض مستوى الغموض والتحكم أكثر في صناعته، وفي إحدى الإحصاءات وجد أن أعداد المراكز المسقبلية المعروفة يبلغ حوالي الخمسة آلاف مركز نصفها في الولايات المتحدة.

 

وتستخدم مراكز الدراسات المستقبلية عشرات الأساليب والآليات للوصول إلى أقرب صورة للمستقبل المراد التأثير فيه ودراسة كل المتغيرات الممكنة والبحث عن البدايل المحتملة وكيفية تطور الأحداث وتشابكها من الماضي مروراً بالحاضر وامتداداً للمستقبل، وسوف نركز على أهم طريقتين وهما طريقة دلفي وطريقة السيناريو لأنهما الأوسع استخداماً والأكثر انتشارا في مراكز الدراسات المستقبلية على المستوى العالمي.

 

طريقة دلفي (Delphi) تعتبر من أهم الطرق التي تستخدم في استشراف المستقبل ورسم السياسات والبدائل، وتستفيد من أحكام الخبراء وخبرة الحكماء وهي من أفضل الأساليب وأقصرها وقتاً للوصول إلى رسم التصورات والاتجاهات المستقبلية، وقد بدأ استخدامها في خمسينات القرن الماضي في المجالات العسكرية عن طريق مركز راند (RAND Corporation)، ثم انتشرت في مجال التعليم والاقتصاد والتطوير التكنولوجي والعلمي والاجتماعي والسياسي والصناعي والتخطيط الإستراتيجي في الشركات والمنظمات الكبرى.

 

ويستخدم في هذه الطريقة برنامج يصمم بعناية ويشتمل على عدة استبانات يتم طرحها على الخبراء مع استمرار دراستها وإرجاعها حتى ينضج الموضوع المراد دراسته والوصول إلى صورة أكثر وضوحا للمستقبل الممكن أو المرغوب فيه بعد الحصول على اكبر قدر ممكن من آراء الخبراء، وتقوم هذه الطريقة على اعتبارات فلسفية أساسها أن رأي الاثنين أفضل من رأي احدهما، وأن آراء الخبراء وأحكامهم موضوعية ويقل فيها التخمين، هذا الأسلوب لا يجمع بين الخبراء في لقاء أو اجتماع وبالتالي تنعدم فيه الخلافات الشخصية، ويسمح للمشاركين بعدم الإفصاح عن أسمائهم في الاستبانات، ويعتبر هذه الطريقة تطويراً حديثا لأسلوب عمل اللجان إلا انه يتجنب سيطرة بعض الأفراد الأقوياء على الآخرين الأقل جرأة ويستفيد من خبرة الذين يتصفون بالخجل أو الذين يفضلون الصمت مع ما يتمتعون به من الخبرة والقدرة العلمية.

 

خطوات هذا الأسلوب تبدأ بتكوين فريق صغير ومتجانس قادر على الجمع بين الآراء وتلخيصها والقدرة على إدراك الفروقات وتوجيه الأفكار للمستقبل، ثم تحديد الموضوع المراد دراسته واستقصاء مستقبله، فتحضير الأسئلة المبدئية التي توجه للخبراء، فاختيار الخبراء الذين يمكن أن يساهموا بأفكارهم وتصوراتهم، بعد ذلك يتم جمع المعلومات والأفكار حسب مايراه الخبراء، ثم تنظم وترتب هذه الأفكار والبيانات وتستبعد الآراء الشاذة ليتم عرضها مرة أخرى على الخبراء للطلب منهم إعادة الإجابة عن الأسئلة السابقة في ضوء إجابات زملائهم، وأحيانا يقوم الفريق المكلف بوضع أسئلة جديدة لاستقصاء توجه جديد، ويستمر طرح الأسئلة بشكل متكرر حتى يكون الموضوع المراد استشرافه أكثر نضجاً وانسجاماً واتفاقا بين الخبراء.

 

من أهم مميزات أسلوب دلفي الوصول إلى اتفاق آراء اكبر عدد ممكن من الخبراء، وقلة تكاليفه مقارنة بالأساليب الأخرى، وقدرته على تحييد التحيزات والمجاملات والخلافات الشخصية، وسهولة تصنيف وترتيب الأفكار والآراء، وسعة مجالات تطبيقه في جوانب الحياة المختلفة، وإمكانية استبعاد الآراء الشاذة دون مشاكل تذكر، وقد جرب كثيرا في الدراسات المستقبلية في المجالات التكنولوجية والاجتماعية وأثبتت جدواه.

 

ومع أهمية هذا الأسلوب إلا أن هناك بعض الصعوبات والعيوب، منها أن الكثير من الخبراء بطبيعتهم لا يتفاعلون مع الاستبانات ويفضلون الاتصال الإنساني في فرق عمل أو اجتماعات محددة، وصعوبة وضع إطار نظري شامل ومشترك يمكن توجيه البحوث إليه في المستقبل خاصة في مجال العلوم الاجتماعية التي تتداخل مع بعضهاً، بالإضافة إلى اختلاف المدارس الفكرية للخبراء الذين توجه إليهم الاستبانات واختلاف ثقلهم ومستوياتهم العلمية، وعدم الإلمام بمعرفة الأحوال والظروف النفسية للخبراء الذين ترسل لهم الإستبانات، وتسرب العديد منهم وانسحابهم من المشاركة في الدراسة المستقبلية قبل إكمالها، وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات إلا أن أسلوب دلفي يبقى الأسلوب المتاح والأفضل والأسهل.

 

أخيراً وحتى نخرج بفائدة عملية بعد قراءة هذا المقال على القاري العزيز أن يحدد مشكلة معينة أو وضع معين يريد أن يتعرف على توجهاته المستقبلية المتوقعة أوالمرغوبة (إذا كان صاحب قرار)، ثم يقوم بتكوين فريق صغير ومتجانس قادر على تنفيذ خطوات طريقة دلفي، ويمكن للقراء التواصل عير البريد الإلكتروني لتفاصيل أكثر حول هذه الطريقة الفعالة، في المقالة القادمة سوف نعرض طريقة السيناريو كإحدى الطرق الهامة في مجال الدراسات المستقبلية.

 

Ahmad.dahman@gmail.com

 

المصدر

2.7 3 الأصوات
تقييم المادة

اترك تعليقاً

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت