استشراف المستقبلات العربية: القضايا والاتجاهات والسيناريوهات | محمد العربي

استشراف المستقبلات العربية: القضايا والاتجاهات والسيناريوهات | محمد العربي

2024-10-27 9:43 ص

استشراف المستقبلات العربية: القضايا والاتجاهات والسيناريوهات | محمد العربي*

 

من المؤكد أن العالم العربي يشهد طفرة في الاهتمام بالدراسات المستقبلية، على اختلاف مسمياتها، بعد الموجة الأولى التي بدأت في أواخر سبعينيات القرن العشرين. وقد انصب اهتمام الباحثين والمفكرين العرب فيها على استشراف مستقبل العمل العربي المشترك ومستقبل المنطقة العربية في مرحلة انحسار المد القومي، والانقسام العربي، وتصاعد النفوذ الإسرائيلي.

 

والآن زاد الوعي بأهمية استشراف المستقبل العربي مع تعاظم المخاطر المتمثلة حاليًا في تراجع مؤشرات التنمية الاقتصادية والإنسانية، وتآكل الموارد الطبيعية، وتخلف البنى الاجتماعية، وعدم تطور البنى الاقتصادية بما يواكب تغير الاقتصاد العالمي، فضلاً عن شيوع الحروب الأهلية والتناحر الإثني والطائفي أفقياً، واتساع رقعة الانقسام الاجتماعي رأسيًا.

 

وعلى الرغم من الاهتمام بالاستشراف الذي يتجلى في ظهور عدد من الدوريات المتخصصة، والرسائل العلمية التي تحاول مناقشة جوانب دقيقة في التخصص، وكذلك المراكز البحثية التي تحاول توظيف أدوات الاستشراف، ومشروعات الرؤى الاستراتيجية العديدة التي أطلقتها الحكومات العربية، إلا أن المجال ما زال يواجه قصورًا؛ فمن الصعب القول إن هناك استراتيجية لتوطين الاستشراف في المناهج التعليمية أو البحثية العربية وما تحويه من انضباط وانفتاح على الرؤى، وقدرتها على نقد الواقع والإرث التاريخي، وصولًا إلى محاولة إعادة تشكيل واقع جديد في المستقبل.

 

سواء لعوامل مرتبطة بعدم القدرة على تقبل المجال، أو التطبيق الدقيق لمناهجه التي تتطلب موارد مالية، فضلاً عن غياب ثقافة العمل المستقبلي التي تتطلب العمل من خلال فرق بحثية ومتخصصين من مجالات متنوعة.

 

من نافلة القول إن تسارع عمليات التغير في كل مناحي الاجتماع والعمران البشري، بفعل التطور التكنولوجي غير المسبوق والمعقد وما يفرضه من تناقضات عميقة وتداعيات متباينة على كل مجتمع، يزيد من رقعة عدم اليقين والمجهول، مما يجعل “استشراف” و”استكشاف” هذه المساحات ضرورة ملحة. لقد كان هذا الاستشراف في الماضي ممكنًا من خلال أدوات التنبؤ والتوقع التي تتصور مسارات أكثر احتمالية وتكرارية لما هو في الحاضر. أما الآن، فقد أضحى المستقبل مفتوحًا على مسارات عديدة تتراوح بين المحتمل والممكن والمرغوب، فيما تضاءلت مساحة الحتمي واليقيني.

 

بهذا، أصبح الاستشراف كعملية وحقل معرفي مساحة لبناء خيارات متعددة حول المستقبل، بدلاً من الانسياق وراء معطيات الواقع.

 

ذا درج القول على أن الدراسات المستقبلية هي ذلك المجال الذي يصقل مهارات صناعة المستقبل لدى المخططين وصناع القرار والمعنيين بكل ظاهرة موضع الاهتمام والاستشراف. وزاد من أهمية هذا الحقل تعاظم التحديات العالمية التي أصبح لها طابع يهدد الوجود البشري، سواء بتغير الظروف المكانية الملائمة لوجود الجنس البشري، كالتغير المناخي على سبيل المثال الذي أصبح حاضرًا وبقوة على خارطة السياسات العالمية العابرة للحدود، أو من خلال انتهاء الجنس البشري نتيجة تغير “معنى أن نكون بشرًا” بفعل الذكاء الاصطناعي أو الهندسة الوراثية أو غيرها من تطورات تقنية لها تداعيات كبيرة على التوازن بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.

 

وستكون هذه القضايا أكثر إلحاحًا على العقل العربي وتحديًا له، خاصة أنه ما زال يصارع إرثًا ماضويًا خلفته أزمات طويلة الأمد سببها الاستعمار في بداية القرن العشرين، وأخرى أحدثها التدخل الخارجي، أو أزمات دولة ما بعد الاستقلال وغياب الرؤية العربية المشتركة، والانقسام داخل الأمة الواحدة وداخل الدولة، وغيرها.

 

لقد دفعت هذه الأزمات العديد من المراكز البحثية الغربية نحو الاهتمام بالمستقبلات العربية على نحو شامل وجاد، على نحو غير مسبوق في العالم العربي نفسه. ومع ضرورة الاعتراف بأهمية مثل هذه المشروعات البحثية، إلا أنها في النهاية مقدمة إلى صانع القرار الغربي، وتعكس الاهتمامات الغربية التي لا ترى في المنطقة إلا مصدرًا لمخاطر الهجرة والأمن، ومصدرًا للموارد الطبيعية. لذا يصبح من الضروري انخراط الباحثين العرب، خاصة الشباب، في بناء رؤى مستقبلية بديلة تعكس تحديات ومتطلبات ووجهات نظرهم في المستقبلات.

 

تذهب هذه الدراسة إلى حاجة المجتمعات العربية الماسة إلى “انعطافة مستقبلية” أي تحول عميق في المنظور الذي تتعامل به مع العالم، وهي انعطافة ضرورية للخروج من أسر سيطرة التفكير الماضوي، والسياسات قصيرة الأجل التي غالبا ما تكون ردود أفعال مرتبكة، وكسولة فكريًا، على أزمات مزمنة ومتداخلة، أو تحديات طارئة غير مسبوقة، البحث قد فاز بجائزة الشباب العربي 2021 الممنوحة من معهد البحوث والدراسات العربية.

 

هذا التفكير المستقبلي ينبغي أن يتعامل مع تحديات العالم باعتبارها تحديات مركبة ومتداخلة ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض أو تأجيل النظر في بعضها لصالح الأخرى. ويمكن أن تساهم الدراسات المستقبلية بما توصلت إليه من مناهج وأدوات في سد “العجز المستقبلي العربي”.

 

تنقسم الدراسة إلى سبعة أقسام؛ القسم الأول هو منهجي يعرف بالدراسات المستقبلية ومنهج بناء السيناريوهات وتعديلاته المستخدمة في هذا التقرير. أما الأقسام من 2 إلى 6 فهي تشكل بيئة عمل السيناريوهات العربية. وتتشكل هذه البيئة من عدة تحولات جيوسياسية وأخرى متعلقة بالدولة العربية وثالثة متعلقة بالتحولات الاقتصادية العالمية؛ وهناك كذلك التحولات التكنولوجية وأخيرًا الاجتماعية. أما القسم الأخير، فهو سرد لسيناريوهات المستقبل العربي وتحليل لها. وقد استقينا أسماء السيناريوهات الأربعة من أسماء أربع روايات هي من عيون الأدب العربي الحديث التي كانت تعبر عن الصراع مع الماضي والحاضر والأمل في المستقبل.

 

لتحميل كتاب استشراف المستقبلات العربية: القضايا والاتجاهات والسيناريوهات | محمد العربي

 

*باحث أول في مركز الدراسات الاستراتيجية – مكتبة الاسكندرية

0 0 الأصوات
تقييم المادة

اترك تعليقاً

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت