الخروج من الدائرة: الدراسات المستقبلية | أ. د. وليد عبد الحي

الخروج من الدائرة: الدراسات المستقبلية | أ. د. وليد عبد الحي

2025-01-19 9:58 ص

الخروج من الدائرة: الدراسات المستقبلية | أ. د. وليد عبد الحي*

 

نظراً لتحيزي لفكرة اعتبار التطور التقني بمعناه الواسع (الآلة ومناهج التفكير) هو المحرك المركزي للمجتمعات البشرية المعاصرة، اعمل الآن على دراسة واسعة حول “تحدي المُسَلَّمات ومستقبل التطور”، وأرهقني بشكل خاص ذهاب كبار العلماء إلى “المسلمات الدينية والآيديولوجية والمنظومات المعرفية بدلالاتها الواسعة” والعمل على تحدي جوهر هذه الجوانب، ورغم الكم الهائل والمتزايد من العلماء في هذا المجال، فإن فكرة التغلب على الموت أو -على الأقل- إطالة الأعمار إلى مئات أو آلاف السنين والتي يتعامل معها العالم كأحد مسلماته، كانت مدعاة لأسأل نفسي: ما الذي يجعل علماء يذهبون في هذا الاتجاه، ووجدت الإجابات عند هؤلاء في عدد من الأسباب:

 

أ‌ عند الانتهاء من بحوث كهذه، ستكون النتيجة إما النجاح وهنا ستكون ثورة إنسانية كاملة وتحول رهيب، وإذا وصلنا إلى نتيجة فاشلة فإننا سنتعرف خلال رحلة البحث النظري في الدراسات والمراجع من ناحية والبحث العلمي في المحتبرات العلمية من ناحية ثانية على مئات النتائج التي ما كنا لنعرفها لو لم نقم بما قمنا به، وفي كلا الحالتين يحدث التطور.

 

ب‌ يقول أحد هؤلاء العلماء (وسأعود لبعضهم في هذا المقال) أن بعض النصوص الدينية المختلفة تتحدث عن بعض الأشخاص الذي عاشوا مئات السنين، فكيف حدث ذلك؟ ولماذا؟ فإذا اكتشفنا صحة تلك الروايات التراثية ازداد يقيننا بالتراث وبوجود سوابق إلى ما نسعى لانجازه، وإذا تبين أن مفهوم العمر مرتبط بمدلول معين كالسنة فإن كل من كان قبل استخدام مقياس السنة أو العام (التي وضع أصولها المصريون قبل أربعة آلاف سنة) يستدعي التساؤل عن ما قبل هذا الاستخدام وكيف تم إسقاطه على المراحل اللاحقة لقياس الأعمار مثلاً؟

 

ت‌ تناقش هذه الدراسات نزعة الفرد للخلود، فالحياة الآخرة هي فرضية تعني أنك لن تموت أبداً بالمطلق (سواء في الجنة إلى الأبد أو خالداً مخلداً في جهنم) ،وتناسخ الأرواح كنظرية أخرى تعني التمييز بين موت الروح وموت الجسد المادي، والانتقال يتم في أحد البعدين وهو الروح، وبعض نظريات العلم الحديث تفسر الأمر بأنه “تحايل سيكولوجي” لنزعة باطنية لدى الانسان برفضه الموت، فهو صراع بين “الإيروس” و”الثيناتوس” عند فرويد، والبحوث المعاصرة ستساهم في ترجيح نظرية على أخرى أو تفرض فهما جديداً لبعض النصوص.

 

نماذج من الدراسات المستقبلية في هذا المجال:

رغم قصور كفايتي العلمية في هذا المجال البيولوجي، فقد سعيت للتعرف على ابرز الأفكار والعلماء في هذا الجانب:

 

1- يقف في طليعة هذا التيار العالم الأمريكي (Ray Kurzweil)، بخاصة في كتابه (الفردانية أقرب) “The Singularity Is Nearer” وهو إعادة تنقيح لكتاب سابق له عنوانه “The Singularity Is Near”، فهذا العالم يرى أن ثلاثة علوم تؤسس للوصول لأبدية الفرد (أي التخلص من الموت)، وهذه العلوم هي العلوم الجينية، النانوتكنولوجي والروبوتات genetics-nanotechnology-robotics.

 

ويعتقد كورزويل أن الآلة والإنسان في طريقهما ليكونا كائنا واحداً وسيتم ذلك مرحلياً ولكن بتطور أسي (Exponential) عبر تغذية ذاتية متسارعة (accelerating returns)، أي أن كل نتيجة في الميادين الثلاثة السابقة الذكر سيغذي الميدانين الآخرين، والأهم أن هذه التغذية بين هذا الثالوث ستتسارع مما يجعل الأمر “أقرب” مما كان يعتقد كورزويل نفسه.

 

وأثناء الرحلة إلى الفردانية ، يتنبأ كورزويل بأن “الحياة البشرية سوف تتحول بشكل لا رجعة فيه، وأن البشر سوف يتجاوزون “قيود أجسادنا البيولوجية وأدمغتنا”، وهو ينظر إلى ما هو أبعد من الفردانية ليقول إن “الذكاء الذي سوف يظهر سوف يستمر في تمثيل الحضارة الإنسانية”. وعلاوة على ذلك، فهو يشعر بأن “الآلات المستقبلية سوف تكون شبيهة بالإنسان، حتى لو لم تكن بيولوجية، وقد نكون عام 2045 نقف على عتبة ذلك.

 

2- يساند العالم البريطاني (Aubrey de Grey) هذا التوجه، ويستخدم هذا العالم مصطلحاً مركباً هو (Methuselarity)، ويتكون من (singularity) بالمعنى الذي أشرنا له عند كورزويل ومن (Methuselah)، (أو بالعربية متوشلح الذي يشير سفر التكوين التوراتي إلى أنه عاش 969 سنة ومات قبل إسبوع من طوفان نوح)، ويصر “دي غري” في كتابه انتهاء الشيخوخة (Ending Aging) على أن البشرية تسير نحو نقطة زمنية مستقبلية من المتوقع عندها ألا يموت الناس لأسباب مرتبطة بالعمر بعد الآن، ويعتقد أن بلوغ عمر ألف سنة أمر ليس بعيد المنال.

 

ويعتقد “دي غري” أن الأتمتة (أي حلول الآلة محل الإنسان تدريجياً إلى أن يستقيل) ستؤدي إلى انقلاب في بعض مفاهيم الاقتصاد مثل الأجر، وهو ما سيقود لمنظومات معرفية جديدة إذا ترافقت الأتمتة مع فناء الشيخوخة.

 

3- يندرج في هذا الإطار العالم الياباني الحائز على جائزة نوبل وهو شينيا ياماناكا (Shinya Yamanaka) والذي يؤكد إمكانية إعادة “شباب” الخلايا الجذعية، ويسير في نفس الاتجاه العالم البريطاني وبثقة أكثر من غيره ديفيد سينكلير (David Sinclair) الذي يعتقد أن مجموعة من الأمراض -بما في ذلك الحالات المزمنة مثل أمراض القلب وحتى الاضطرابات العصبية مثل الزهايمر- يمكن علاجها إلى حد كبير عن طريق عكس عملية الشيخوخة التي تؤدي إليها. وحتى قبل أن يحدث ذلك، يمكن أن تكون هذه العملية أداة جديدة مهمة للباحثين الذين يدرسون هذه الأمراض. وفي معظم الحالات، يعتمد العلماء على الحيوانات الصغيرة أو الأنسجة لنمذجة أمراض الشيخوخة، التي لا تعيد إنتاج حالة الشيخوخة بدقة، بل أنهم طبقوا بعض التجارب على بعض الأنواع من الديدان ونجحوا في إطالة معدل الأعمار لها بمعدل 40%.

 

ما سبق يجعلني أتساءل عن العلاقة بين التطور وبين التحول في مسلمات المنظومات المعرفية، فإذا نجحت في تحدي هذه المسلمات فقد دفعت التطور (فمن كان يتخيل أن هناك إمكانية لإلغاء الزمن والمسافة.. فأنت الآن تستطيع بالزوم (Zoom) أن تشارك في ندوة تبعد عنك ثلاثة آلاف كيلومتر ويراك الحضور وتراهم ويسمعونك وتسمعهم وكأنك في نفس المكان.. بل من عاش التجربة ينسى أنه ليس مع الحضور في مكان واحد…) وإذا فشلت فكم عدد النتائج التي اكتشفتها خلال رحلة الفشل هذه، فقد يكون عددها أكثر من نتائج النجاح…

 

لكن الجانب الآخر هو في التداعيات التي تترتب على النجاح أو الفشل، وتخيل للحظة لو تتوقف الكهرباء، أو يتوقف الانترنت أو تلغى وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية أو ….إلخ، سيضطرب أغلب النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعني أن المستقبل سيكون لصالح من يعمل على استحضاره والاستعداد له قبل أن يصل، فالمستقبل هو الضيف الإجباري ، فلكي تُحسن استقباله قم بواجبات الضيافة له.. وهذا تحدٍ جديد لمسلماتك.. ربما.

 

 

 

*خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية.

10/01/2025

 

المصدر  

0 0 الأصوات
تقييم المادة

اترك تعليقاً

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت