السيناريو الأسوأ ما بعد الطوفان | أ. د. وليد عبد الحي

السيناريو الأسوأ ما بعد الطوفان | أ. د. وليد عبد الحي

2025-02-20 10:22 ص

السيناريو الأسوأ ما بعد الطوفان | أ. د. وليد عبد الحي

 

الجنرال الشهير “فون نجوين جياب” بطل الحرب الفيتنامية ضد الفرنسيين والأمريكيين يضع وصفاً للاستراتيجي الجيد بأنه الذي “يخطط بقلب الجبان وينفذ بعقل الشجاع”، فالجبان عندما توكل له مهمة يحسب المخاطر بطريقة تجعله يضع كل الاحتمالات مهما بدت ضعيفة، فمخاوفه لا حدود لها، فإذا خطط على أساس ما سبق، فإن عقل الشجاع سيحسب حساب كل توجسات الجبان ويوليها عنايته العقلية، فإذا اجتمع الحساب الدقيق مع التنفيذ الدقيق كانت النتائج هي الأفضل، ولعل ذلك ما جعل هذا الجنرال يهزم إمبراطوريتين وبشكل مُذل.

 

إن تطبيق خطة الجنرال جياب في الصراع مع إسرائيل على أساس السيناريو الأسوأ لا يشير إلى ما يسميه علماء النفس التشوه المعرفي (Cognitive Distortion) القائمة على نزعة النظرة السوداوية والافتراضات غير المنطقية، بل على أساس افتراض “ماذا لو ” اتجه واقع الظاهرة موضوع البحث نحو السيناريو الأسوأ، ولكي نتجنب المثل المشهور “لقد سبق السيف العذل”؟

 

فما هو السيناريو الأسوأ في مرحلة ما بعد طوفان الاقصى على أساس حسابات “قلب الجبان”؟

 

أولاً: مقدمات الواقع: وتتمثل في المؤشرات التالية:

أ‌- احتمالات أن يعود الرئيس الأمريكي ترامب إلى إحياء صفقة القرن التي وضعها خلال رئاسته الأولى، والتي تقوم أسسها على الإقرار بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل مع إشراف شكلي على المقدسات الإسلامية من أية جهة إسلامية، ثم توطين اللاجئين في المهجر في الدول التي يقيمون فيها وفتح المجال لاستيعاب أعداد كبيرة من الفلسطينيين المقيمين الآن في فلسطين في دول قادرة على ذلك (دول الخليج وكندا وأستراليا ..إلخ)، ثم ضم كل مناطق المستوطنات في الضفة الغربية إلى إسرائيل، والعمل على تحويل غزة إلى نوع من المنتجع السياحي يتبع لإدارة محلية أو يتبع لأي كيان سياسي آخر، مع العمل على عرقلة المساعدات له في بداية الأمر لدفع أكبر عدد من سكانه للهجرة.

 

ب‌- تعثر عمليات الإعمار في قطاع غزة لأسباب أبرزها: الابتزاز السياسي من الدول المتبرعة بفرض شروط تقديم تنازلات سياسية من المقاومة الفلسطينية تحديداً مقابل المساعدات (مثل نزع السلاح في غزة، الاعتراف بإسرائيل، منح إسرائيل حق الاستطلاع الجوي والتفتيش…إلخ) ثم هناك احتمال التنازع بين الأطراف الفلسطينية على من يدير عمليات الإعمار ومن يتسلم الأموال والمساعدات المادية الأخرى، ثم احتمال أن ما سيصل من أموال للإعمار تكون أقل بقدر واضح من المطلوب وهو في التقديرات الأولية يتراوح بين 38 مليار دولار (حسب التقدير الأولي لحكومة غزة الحالية) وخمسين مليار دولار حسب الأمم المتحدة.

 

ت‌- استمرار الضغوط الخفية والمعلنة للقضاء على مقومات “الجهاد” بالمفهوم الذي يتبناه محور المقاومة (أو ما يتبقى منه)، والعمل على تغيير الثقافة الإسلامية من هذا الجانب باتجاه مفاهيم “الميثاق الإبراهامي” الذي صاغ معطياته ترامب.

 

ث‌- تدل الخبرة التاريخية مع الدبلوماسية الإسرائيلية أن الخداع والمماطلة وانتهاز الفرص السانحة وتأويل النصوص والاتفاقيات هو “القاعدة” لا الاستثناء في التفاعل الإسرائيلي مع الأطراف العربية والفلسطينية.

 

ثانياً: مؤشرات تعزيز الواقع السابق: وتبدو ملامح ذلك فيما يلي:

أ‌- عدم انقطاع وتيرة التطبيع بل والدعوة لتوسيعه، فرغم مقتل وجرح ما يقارب 200 ألف فلسطيني لم تقم أية دولة بمراجعة سياسات التطبيع بل تتطور بعضها وبالأرقام الدالة، ولم تترك بيانات الإدانة أي تأثير محلي أو إقليمي أو دولي.

 

ب‌- الغموض الشديد في موقف الإدارة السورية الجديدة، فهذه الإدارة التي قاتلت الجيش السوري والإيراني والروسي وحزب الله والأكراد وبعضها بعضاً لمدة تفوق العقد الزمني، بدت صامتة تجاه التوسع الإسرائيلي في الأراضي السورية وبمساحة تعادل 70% من مساحة قطاع غزة (إضافة إلى استمرار احتلال الجولان ذات المساحة 1800 كيلومتر مربع)، كما أن تصريحاتها تجاه إسرائيل تكاد أن تكون خجولة إلى حد بعيد، ولم تبد إي إشارة تعاطف حتى مع المقاومة الإسلامية التي وقفت في بداية الأحداث السورية إلى جانبها ضد النظام السابق، وهنا لا أحد يطلب من النظام الجديد الانخراط في مواجهات ولكن هناك مبادئ عامة تؤسس للسلوك الميداني لاحقاً، وهو ما هو غائب عن أدبياتها.

 

ت‌- تدل المراقبة الدقيقة لعسر الوصول لقرارات واضحة في الإدارة العراقية أن النفوذ الذي زرعه بريمر (المندوب السامي الأمريكي في العراق بعد الحرب) مازال قائماً، كما أن الوجود للقواعد الأمريكية في العراق ودول الخليج وسوريا يعزز المشهد السابق.

 

ث‌- إن الدول العربية التي تضع شروطاً للتطبيع هي دول لا تملك القدرة على الرفض حتى لو لم تلبى شروطها، فهي دول أبلغها ترامب وبشكل صريح وعلني (خلال رئاسته الأولى) عن أن تخلي الولايات المتحدة عن حمايتها سيعرضها للاحتلال خلال دقائق.

 

ج‌- إن دبلوماسية الإنابة (Proxy Diplomacy) وبحكم الخبرة التاريخية قد تمارس دوراً في التحول نحو المطالبة بأثمان سياسية من المقاومة كما جرى مع حزب الله بعد إعمار الضاحية الجنوبية بعد حرب لبنان 2006.

 

ح‌- إن مواقف الدول الاوروبية في أغلبها لا تعارض أي حل تفرضه إسرائيل والولايات المتحدة على الفلسطينيين، وهم مستعدون للتكيف مع الواقع الجديد بل وبعضهم يعمل على تجسيده ولكن بقدر من الرزانة أكثر من الإدارة الأمريكية، ولعل مساندة بعض الدول الأوروبية لفكرة التوقف عن دعم وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين مؤشر على هذا التوجه.

 

خ‌- لن يتجاوز الموقف الصيني والروسي “الشرعية الدولية” نظرياً، لكنهما لن يجدا ضيراً في التعاطي مع واقع مفروض يقبله العرب، ويكفي ملاحظة أن الصين صاحبة أكبر ناتج محلي إجمالي في العالم (على أساس المعادل الشرائي) تحتل المرتبة 36 في قائمة المساعدات للفلسطينيين.

 

د‌- يبدو أن إيران تعيش مرحلة إعادة تقييم لاستراتيجيتها في المنطقة استنادا للتحولات في موازين القوى لغير صالحها، ناهيك عن أن السنوات القادمة قد تنطوي على احتمالات اضطرابات داخلية لاختيار خليفة للمرشد، وبخاصة في ظل تقدم عمره (86 سنة)، وهي تعمل من خلال الشراكات الاستراتيجية مع روسيا والصين وعبر الانغماس في اقتصاديات البريكس أن تعالج وضعها الداخلي والإقليمي والدولي.

 

ثالثاً: ثغرات في السيناريو الأسوأ: أي بعض العوامل لغير صالح السيناريو:

 

أ‌- إن فكرة حل الدولتين (رغم كل ما أشرنا له أعلاه) تحظى بدعم حوالي 162 دولة في العالم، وهي موضوع يرى الكثير من النخبة الإسرائيلية السياسية والفكرية باحتمالات إعادة طرحه، وقد يقود ذلك إلى موجة اضطرابات داخلية في إسرائيل بخاصة من جانب المستوطنين في الضفة الغربية، وقد وصل الأمر ببعض المفكرين الإسرائيليين إلى القلق الشديد على مستقبل إسرائيل (ولدي قدر كبير من تصريحات للنخبة الإسرائيلية العليا في هذا الاتجاه لا يتسع المقام لعرضها بشكل واضح).

 

ب‌- اتساع موجة التشققات الداخلية في البنية السياسية والاجتماعية في إسرائيل، ولعل موجة الاستقالات لأطراف وازنة (بن غفير ووزراء حزبه، ورئيس الأركان هاليفي، وقائد المنطقة الجنوبية فنكلمان…إلخ) تعزز هذا التشقق، كما أن تزايد دعوات المعارضة لانتخابات جديدة تشير إلى أن ذلك بمثابة سيف ديموقليس المعلق بشعرة فوق رأس نيتنياهو.

 

ت‌- التحول في نسبة لا يستهان بها في الرأي العام الدولي تجاه موقف أكثر نقداً لإسرائيل، وهو أمر بدأت دوائر الخارجية الإسرائيلية بالتحذير من تداعياته.

 

ث‌- تجمع أغلب التقارير (النفسية والسياسية) على أن ترامب شخص يصعب التنبؤ بردات فعله (Unpredictable)، ولعل خطاب القسم الذي ألقاه صدم الكثيرين في مواقفه من قضايا كثيرة، كما أنه بدا أقل تفاؤلاً باستمرار اتفاق وقف إطلاق النار بخاصة بعد المرحلة الأولى.

 

ومن الضروري في هذه النقطة الإشارة إلى أن ترامب ما زال أسير عقلية ووجدان “مدير الشركة الخاصة”، الذي يجعل من “الربح المادي” هو دليله وغايته، فهذا الرجل قضى عمره في ميدان إدارة الشركات الخاصة، فهو ليس بريجنسكي ولا كيسنجر ولا آيزنهاور ولا “عولمي النزعة” (Globalist)، إن معيار ترامب الاستراتيجي هو الربح، فهو سينظر إلى الشرق الأوسط “كبقرة حلوب”، وستكون مواقفه السياسية قائمة على أساس ذلك، بل قد يقلص وجوده العسكري في المنطقة (إلا إذا حلب البقرة) وقد يقلص دعم الدول الفقيرة في الشرق الأوسط (إلا إذا ساهمت في توفير بيئة أكثر إدرارا للحليب من البقرة”، وقد تواجه الدول العربية ضغطاً لتقليص حجم علاقاتها التجارية مع الصين عبر رفع الجمارك على السلع الصينية أو التوجه للأسواق الأمريكية أكثر بدلا من الصين، وهو ما سيجعل البقرة أكثر إدرارا للحليب مرة أخرى، ولكل ذلك تداعياته السلبية والإيجابية على الصراع مع إسرائيل.

 

ج‌- ثمة انطباع أولي لدى الدوائر الغربية بشكل خاص أن المقاومة في قطاع غزة بدت أكثر قوة (مما جرى الترويج له بعد المعركة) إلى الحد الذي أكده وزير الخارجية الأمريكي في إدارة بايدن، كما أن المقاومة نشرت كوادرها الطبية والشرطية والخدمية -في حدود المتاح- بشكل سريع ومنظم مما حال دون أية اضطرابات (حتى هذه اللحظة على الأقل)، وقد ترك ذلك إحباطا بعض الشيء على المراهنين على الفوضى أو إمكانية إنشاء إدارة بديلة من سلطة التنسيق الأمني أو لجنة القبائل والعشائر (التي أعلنت انحيازها للمقاومة) أو لجنة عربية أو دولية (والتي لا يبدو أي اتفاق حولها حتى الآن على الاقل).

 

ح‌- ظهور مراكز مقاومة متجددة من مكان لآخر في الضفة الغربية، ورغم أن ذلك لا يشكل تهديداً بالوزن الذي عليه الوضع في غزة إلا أن الكثير من الاستراتيجيين الإسرائيليين يرون في ذلك بذرة قابلة للنمو.

 

ماذا يعني ذلك كله:

من الضروري أن نعود للجنرال جياب، التخطيط بقلب الجبان والتنفيذ بعقل الشجاع.. فلعل ذلك يوصلنا إلى أقل قدر “ممكن” من الخسائر (في حالة الهزيمة) أو أكبر قدر “ممكن” من المكاسب (في حالة الانتصار)، وعليه فإن المقاومة التي قاومت لمدة خمسة عشر شهراً (بينما هُزم العرب في أغلب حروبهم في أيام أو حتى ساعات) تصرفت في الميدان العسكري بعقل الشجاع، فهل ستنجح في إدارة المعركة السياسية بقلب “الجبان”… ربما بالجمع لا بالمفرد.

 

 

* أ. د. وليد عبد الحي أستاذ في قسم العلوم السياسية وباحث في المستقبليات والاستشراف.

 

المصدر

0 0 vote
Article Rating

اترك تعليقاً

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments