الهدف والمهام
ليس الاستشراف مجرد رسم تخيلات مستقبلية يرضي بها الإنسان نزعته البشرية التواقة إلى كشف ستر الغيب، وهو لا يقف عند حد آمال وأعمال الفكر والخيال واستخدام الحساب لقياس برامج المستقبل وبلورة نقاط الالتقاء التي تميز بين الأساسي والثانوي واختيار ماهو عملي مما هو دون ذلك، بل إن الاستشراف يتجاوز ذلك إلى تناول مشاهد المستقبل وتوقعاته المطروحة في أذهاننا وإعادة قراءة الواقع بكل جوانبه الحضارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بالقدر الذي يخدم إمكانية التغيير بالشكل المرغوب به في المستقبل وآليات الوصول إليه.
وينظر (ريتشارد سلوتر) إلى عملية الاستشراف على أنها تقع ضمن القابليات الفطرية لدماغ الإنسان، وأن كل فرد لديه القدرة على التفكير حول المستقبل، وماإن يدرك الأفراد ذلك حتى ينطلقوا إلى غمر أنفسهم في مفاهيم وطرق وأساليب المستقبليات قبل أن يباشروا باستخدام المستقبليات أو طرق الاستشراف في أعمالهم، أما المراقع الدائمة في المؤسسة فيجب إنشاؤها لتشجيع استخدام الاستشراف بحيث يصبح القاعدة في العمل الداخلي، وسيتم الوصول أخيراً إلى الاستشراف الاجتماعي وذلك عندما يكون هناك عدد كافٍ من المؤسسات التي تستخدم القدرة على الاستشراف.
وبطبيعة الحال ليس الهدف المباشر للدراسات المستقبلية هو التخطيط فقط، أو وضع الاستراتيجيات، وإن كانت هذه الدراسات تفيد دون شك في إعداد العدة لوضع الخطط أو رسم الاستراتيجيات بتوفيرها جانباً مهماً من القاعدة المعرفية (Data) التي تلزم لصياغة الاستراتيجيات ورسم الخطط. ولكن شتان بين أن يأتي العمل الاستشرافي كمقدمة سريعة للعمل التخطيطي، وبين أن تتاح الفرصة لكي ينمو كعملٍ قائم بذاته، يأخذ وقته اللازم ويستعمل المنهجيات المتعارف عليها وتستوفى مقوماته.
ويرى (ويندل بيل) أن المهام التي ينشغل بها حقل الدراسات المستقبلية من اكتشاف أو ابتكار، وفحص وتقييم، واقتراح مستقبليات ممكنة أو محتملة أو منفصلة، تنحصر في تسعة محددات هي:
1. إعمال الفكر والخيال فى دراسة مستقبليات ممكنة possible futures))، أى بغض النظر عما إذا كان احتمال وقوعها كبيراً أو صغيراً؛ وهو ما يؤدى إلى توسيع نطاق الخيارات البشرية.
2. دراسة مستقبليات محتملة probable futures))، أى التركيز على فحص وتقييم المستقبليات الأكبر احتمالاً للحدوث خلال أفق زمني معلوم ووفق شروط محددة وغالبا ما تسفر هذه الدراسة عن سيناريوهات متعددة.
3. دراسة صور المستقبل (images of the future)، أى البحث فى طبيعة الأوضاع المستقبلية المتخيلة وتحليل محتواها، ودراسة أسبابها وتقييم نتائجها.
4. دراسة الأسس المعرفية للدراسات المستقبلية، أى تقديم أساس فلسفى للمعرفة التى تنتجها الدراسات المستقبلية، والاجتهاد فى تطوير مناهج وأدوات البحث فى المستقبل.
5. دراسة الأسس الأخلاقية للدراسات المستقبلية، وهذا أمر متصل بالجانب الاستهدافى للدراسات المستقبلية، ألا وهو استطلاع المستقبل أو المستقبليات المرغوب فيها.
6. تفسير الماضى وتوجيه الحاضر. فالماضى له تأثير على الحاضر وعلى المستقبل، والكثير من الأمور تتوقف على كيفية قراءة وإعادة قراءة الماضى.
7. إحداث التكامل بين المعارف المتنوعة والقيم المختلفة من أجل حسن تصميم الفعل الاجتماعى، ذلك أن معظم المعارف والبيانات التى يستخدمها دارسو المستقبل بشكل عام من أجل التوصية بقرار أو تصرف ما هي إلا معارف تنتمي إلى علوم ومجالات بحث متعددة لها خبراؤها والمتخصصون فيها، ولذلك يطلق على الدارسات المستقبلية وصف الدراسات التكاملية integrative)) أو الدراسات العابرة للتخصصات trans disciplinary)).
8. زيادة المشاركة الديمقراطية فى تصور وتصميم المستقبل، أو مقرطة التفكير المستقبلى والتصرفات ذات التوجهات المستقبلية، وإفساح المجال لعموم الناس للاشتراك فى اقتراح وتقييم الصور البديلة للمستقبل الذي سيؤثر في حياتهم وحياة خلفهم.
9. تبنى صورة مستقبلية مفضلة والترويج لها، وذلك باعتبار ذلك خطوة ضرورية نحو تحويل هذه الصورة المستقبلية إلى واقع، ويتصل بذلك تبنى أفعال اجتماعية معينة من أجل قطع الطريق على الصور المستقبلية غير المرغوب فيها والحيلولة دون وقوعها.
ومما سبق نستطيع القول: إن غاية الدراسة المستقبلية هو توفير إطار زمني طويل المدى لما قد نتخذه من قرارات اليوم، ومن ثم العمل لا على هدى الماضى، ولا بأسلوب من اليد إلى الفم وتدبير أمور المعاش يوماً بيوم، ولا بأسلوب إطفاء الحرائق بعد ما تقع، بل العمل وفق نظرة طويلة المدى وبأفق زمني طويل نسبياً، فهذا أمر تمليه علينا سرعة التغير وتزايد التعقيد وتنامى اللايقينى فى كل ما يحيط بنا، وذلك فضلاً عن اعتبارات متصلة بالتنمية والخروج من التخلف لمجتمعات أمتنا العربية والإسلامية.





