توجهات الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس المنتخب دونالد ترمب | د. أحمد عدنان الميالي
عندما حانت اللحظة الحاسمة في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، لم تكن الحملة التي برزت فيها العنصرية وكراهية النساء والتجاهل الصريح للتهم الموجهة لترمب البالغة 14 تهمة جنائية وسياسية، فضلاً عن الفوضى والاستفزاز الذي مارسه والاستقطاب الحاد والشعبوية؛ كافية لاستبعاده في نظر الناخبين الأميركيين، الذين أعادوه إلى البيت الأبيض لمدة أربع سنوات أخرى في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت يوم الثلاثاء 05/11/2024.
إن العواقب المترتبة على ذلك بالنسبة للولايات المتحدة والعالم مثيرة للقلق بقدر ما هي غير متوقعة كذلك، وهي تتجاوز مجرد عودة رئيس لديه تفويض شعبي واسع وسيطرة في الكونغرس لكن تضع أمام هذه العودة تحديات سياسية بالغة تمتد إلى موثوقية الولايات المتحدة باعتبارها صاحبة القوة الرئيسة في النظام الدولي.
وبعد موسم الحملة الانتخابية الذي شهد انحدار السياسة الأميركية إلى أعماق استقطاب متزايدة، شهد السباق الانتخابي مسارات مختلفة في الولايات المتحدة أظهرت رؤية أكثر قتامة فيما يتعلق بتوجهات الإدارة الامريكية القادمة وتأثيراتها المحتملة على السياسة الداخلية الأمريكية والخارجية والنظام الدولي على نطاق أوسع، ومنها السياقات الاتية:
أولاً: الديمقراطية:
لن تكترث إدارة ترمب للديمقراطية في الخارج ولن تجعل منها قضية مهمة، وحسب الجمهوريين الداعمين لترمب فإن أمريكا ليست بحاجة إلى نشر الديمقراطية حول العالم، وهم يروّن أن الأمم المتحدة والقانون الدولي هما مَن يقوضان مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي، كذلك ستكون الديمقراطية في الولايات المتحدة في خطر جسيم، لقد وجه ترمب تهديدات مقوضة للديمقراطية في الانتخابات السابقة وولايته الأولى، وظهر بمظهر دكتاتوري في أحايين كثيرة، خاصة ضد خصومه السياسيين والصحافة والاعلام، ومن المحتمل أن يتابع تلك التهديدات.
ففي النهاية لدى ترمب تحفظات على الليبرالية والعولمة والترابط وهو لا يعترف بها ويتبنى توجهات انعزالية محافظة تركز على مبدأ (أمريكا أولاً) القائم على أساس الأولويات المرتبطة بتحقيق المصالح الأمريكية بشكل جوهري وتقليص الالتزامات الدولية.
إن مقدار الضرر الذي ألحقه ترمب فعلاً بالديمقراطية الأمريكية نبع من سعيه إلى نزع الشرعية عن المؤسسات التي تساعد في دعم الديمقراطية، اذ زرع الشكوك حول الحكومة ووسائل الإعلام، وأشعل نظريات المؤامرة لزراعة عدم الثقة بين شريحة واسعة من سكان الولايات المتحدة حول كيفية فرز الأصوات، على الرغم من الأدلة الواضحة على خلاف ما ادعاه. في الولايات المتحدة يعد هذا المستوى من عدم الثقة بالمؤسسات أمراً جديداً إلى حد ما، ومن غير المرجح أن يختفي بسرعة حتى بعد فوز ترمب، فقد عمل على تقديم جوانب أكثر قتامة من التاريخ السياسي الأمريكي، منذ عام 2016، اذ كانت الولايات المتحدة تكافح لتجاوز مرحلة العنف السياسي التي شهدتها منذ سبعينيات القرن العشرين ومعظمها جاء من اليمين الأمريكي، وترسخت ذروة هذا العنف في تمرد 6 كانون الثاني 2021 في مبنى الكابيتول الأمريكي الذي قاده ترمب.
كما كان لحملات ترمب الانتخابية الثلاث ورئاسته تأثير هائل ومقلق على الخطاب السياسي في الولايات المتحدة، بدءاً بالأكاذيب المتكررة المستمرة والمعلومات المضللة التي استخدمها هو ومساعدوه في حملته لتقويض أسس المناقشة السياسية الصحيحة، لكن ترمب هاجم أيضاً بشكل متكرر الجماعات التي ينظر إليها على أنها تهديد لسلطته بخطابات عدوانية وعنيفة، بما في ذلك المعارضون السياسيون والصحافيون، الذين وصفهم مراراً وتكراراً بأنهم (أعداء الشعب)، وهذا العداء قد يستمر في ولايته الثانية لانها ستكون مدعومة وغير مقيدة سياسياً.
وفي الوقت نفسه، استخدم ترمب خطاباً عنصرياً ومعادياً للنساء اللواتي يعتبرن شريحة واسعة ومؤثرة في الولايات المتحدة، وكانت نتيجة كل هذه التحولات تغطية الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام وأصبحت تشبه بشكل متزايد ما يتوقعه العديد من الأمريكيين أن يروه فقط في التقارير الصادرة من الدول الأجنبية التي لا توجد بها ديمقراطيات راسخة ومتماسكة.
من المهم أن نتذكر أن ترمب أعاد إيقاظ جوانب أكثر قتامة في السياسة الأمريكية التي كانت كامنة، ولكنها لم تختفِ رغم أن ترمب سيحاول بالتأكيد مراجعة نهجه المعادي للديمقراطية والليبرالية في ظل ولايته الثانية خاصة مع وجود حواجز مؤسسية تواجه دوافعه الاستبدادية، وستكون هذه الحواجز فعالة هذه المرة أكثر من الولاية الاولى بسبب التهم الجنائية والتحقيقات الخاصة المثارة ضده، مع ذلك، فإن شفاء الديمقراطية الأمريكية من الضرر الذي أحدثه ترمب بالفعل سوف يستغرق وقتاً طويلاً.
ثانياً: السياسية الاقتصادية والتجارية:
وعد الرئيس المنتخب دونالد ترمب باتباع سياسة اقتصادية حمائية تحقق مكاسب للأمة الأمريكية، من خلال تعزيز التعريفات الجمركية المرتفعة وبعيدة المدى، واعتمادها كأداة لإعادة تشكيل الاقتصاد الأميركي كحصن قوي داخلياً ومستقل عن الاقتصادات الأخرى.
كما يعتقد أن التعريفات الجمركية يمكن استخدامها لتمويل حكومة فيدرالية أصغر بكثير، فهو يعتبر الولايات المتحدة شركة يتولى فيها ترمب منصب الرئيس التنفيذي، يضع مصالح هذه الشركة أولاً، والمساهمون فيها هم الشعب الأمريكي وهم سيضحون خاسرين اذا استمرت هذه الشركة بالعمل كشركة بوليصة تأمين تعتمد فيها الدول على السخاء الأمريكي في المجالات كافة، أو تؤمن بفلسفة التجارة الحرة والعولمة التي ستربح من خلالها الصين نتيجة ضخها المنتجات الرخيصة بسبب تدني قيمة أجور الأيدي العاملة الصينية، وسرقة الملكية الفكرية لإلحاق الضرر بشكل كبير على السوق الأمريكية؛ لذلك سيعمل ترمب على خفض الضرائب على الشركات والأفراد مع زيادة التعريفات الكمركية على البضائع الصينية بنسبة من 60٪ الى 100٪ و10٪ لباقي الدول الأجنبية؛ لتعويض انخفاض قيمة الضريبة، وهذا سيعزز من شعبيته وتبرير انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، رغم خطورته على النظام الديمقراطي؛ فهو يعلم ان الدولار الأمريكي بدأت تتراجع قيمته إزاء اليورو وبدأ يستعاض عنه في المبادلات العالمية والسبب هو التسامح والسخاء بدون مقابل.
كما من المتوقع أن يتراجع ترمب أكثر من السابق عن العمل المناخي، فيقضي على سياسات التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها، في حين يضاعف استخدام الوقود الأحفوري ويزيل الحوافز للطاقة المتجددة. وعلى الصعيد الدولي، من المرجح أن يؤدي تراجع الولايات المتحدة عن أطر المناخ المتعددة الأطراف إلى وضع أهداف المناخ العالمية خارج المتناول، كل هذا من أجل تعزيز القطاع الصناعي والنفطي والطاقوي للولايات المتحدة بدون قيود لدعم وتعزيز الاقتصاد والنمو في الولايات المتحدة.
ثالثاً: السياسة الخارجية:
سيتبنى ترمب مبدأ (أمريكا أولاً) هذا المبدأ وبمقاربات مشابهة للتي تبناها في ولايته الأولى، فالجمهوريون الداعمون له يعملون الآن على التكيف مع شعبويته القومية وإحياءه للواقعية السياسية من جديد، فهم يؤمنون بأن ترمب يُمثل عنصر استقرار فاعل في ظل نظام دولي متسم بالفوضى مع وجود قادة ضعاف، وأيضا يعتقد أنصاره أن العالم حظي بالاستقرار والنظام في ولايته الأولى؛ إذ لم يكن هناك حروب مباشرة، واستطاع توقيع اتفاقات سلام واتفاقيات تجارية عززت المصالح الأمريكية مثل صفقة القرن والاتفاقيات الإبراهيمية بين الكيان الإسرائيلي وبعض الدول العربية واستطاع أن يتفاوض بشكل ناجح مع كندا والمكسيك حول اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية المعروفة بإسم (نافتا)، وعقد اتفاقية تجارية جزئية مع الصين.
كما شهد الاقتصاد الامريكي نسب تضخم منخفضة للغاية ومعدلات هجرة متراجعة على الحدود من المكسيك، في حين أن نهج بايدن كان ضعيفاً وكارثياً ومتعثراً بدءاً من الانسحاب من أفغانستان، وتشجيع روسيا على غزو أوكرانيا، ودعم وتمويل نظام كييف دون جدوى أو حسم، انتهاءً بفشله في إضعاف إيران أو إنهاء حماس وحزب الله ومحور المقاومة، والحل يكمن باتباع مقاربة الأولويات التي يؤمن بها ترمب وفريقه الداعم له، أمريكا ثم الحلفاء ثم العالم، ولا يوجد دعم بلا ثمن مدفوع مسبقاً ومن خلال هذه المقاربة الترمبية ستستعيد أمريكا قوتها ومكانتها وتعزز عامل الردع لخصومها وأعداءها ويفرض النظام الدولي وفق القواعد التعديلية التي ترسمها الولايات المتحدة.
لذلك من المرجح جداً أن يوقف تمويل حرب أوكرانيا ويقلل من إسهامات واشنطن في حلف الناتو، وينفتح على كوريا الشمالية ويضع الصين في أولويات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لمواجهتها اقتصادياً، ولن يتحمس لدعم تايوان ضد الصين، أو عليها أن تدفع للولايات المتحدة مقابل حمايتها.
أما في الشرق الاوسط، سيبحث ترمب عن مقاربة إيجابية للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني؛ وبناءً على ذلك سيعيد ترمب جهود التطبيع العربي مع تل أبيب عبر توسيع الاتفاقات الإبراهيمية لتشمل المملكة العربية السعودية كأحد أولوياته القصوى في المنطقة، باعتبار هذه المقاربة طريقاً مستدام لحل القضية الفلسطينية من إقامة دولة فلسطينية محدودة الصلاحيات من حيث السيادة ومنزوعة السلاح تعمل تل أبيب على توفير الأمن لكلا الدولتين، مع تأييده لضم مستوطنات الضفة الغربية وغور الأردن إلى الأراضي المحتلة.
أما إيران فسيتبع سياسةً أقوى لمواجهتها وهو يعتقد أن إرساء السلام في الشرق الاوسط لا يمكن حصوله قبل احتواء إيران، وتوقف المتشددين الفلسطينيين عن محاولة القضاء على الكيان الإسرائيلي، إن موقف ترمب المتشدد إزاء طهران سيتضاعف أكثر من ولايته الأولى وسيصدر حزمة من الأوامر التنفيذية التي تهدف إلى إعادة احياء سياسة (الضغوط القصوى) على إيران، اقتصاديا وتحريك عوامل زعزعة النظام السياسي في إيران وتمكين ودعم القوى المطالبة بالديمقراطية فيها، وسيعمل على الرد المباشر على أي استهداف للقواعد والقوات والمصالح الأمريكية في العراق وسوريا، رغم أنه مقتنع أن وجود القوات الأمريكية في سوريا والعراق لن يعد يخدم المصالح الأمريكية وقد يُعلن انسحاب هذه القوات من البلدين خلال ولايته.
لاشك أن ولاية ترمب الثانية ستكون مضطربة لكنها ستكون استمراراً لنهجه في الولاية الأولى، لكن ستختلف الآليات والوسائل خاصة في مسار تصريحاته الداخلية ومحاولة الظهور كأنه ديمقراطي مع رسم مسار خاص مع روسيا وإيران وأوروبا والصين.
إن ترمب يختلف عن كل الإدارات الأمريكية السابقة من حيث واقعيته وفوضويته واتباعه لغرائزه الخاصة بدلاً من اتباع نصائح مستشاريه وطاقم إدارته؛ لكن وجود أحداث ومعطيات جديدة وأكثر خطورة مقارنة بفترة ولايته الأولى، فأن هنالك أمل أن يتبع المنطق السليم في صناعة قرارته بعيداً عن الأطوار الغريبة التي اتبعها سابقاً.
د. أحمد عدنان الميالي





